كتاب العدد

العزوف وصناعة الشك… رسائل إلى الأحزاب قبل الانتخابات

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وانطلاق الأحزاب السياسية في إعداد برامجها وخطاباتها المقبلة، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى وقفة صريحة ومسؤولة مع الذات السياسية، لأن أخطر ما يهدد الديمقراطية ليس فقط ضعف المشاركة، بل اتساع دائرة الشك وفقدان الثقة لدى المواطن. فالعزوف لم يعد مجرد موقف سلبي تجاه الانتخابات، بل أصبح رسالة سياسية تعكس حجم الإحباط الذي يشعر به جزء واسع من المجتمع تجاه المشهد الحزبي والسياسي.
إن أول ما تحتاجه الأحزاب وهي تهيئ برامجها الانتخابية، هو إدراك أن المواطن لم يعد يبحث عن الشعارات الكبيرة بقدر ما يبحث عن المصداقية والوضوح والقدرة على الإقناع. فقد أضرت سنوات من التبخيس المتبادل وشيطنة الخصوم بصورة العمل السياسي، وخلقت لدى الراي العام انطباعا بأن الصراع الحزبي أصبح هدفه تصفية الحسابات أكثر من خدمة القضايا الحقيقية للمواطنين.
كما أن استمرار بعض الفاعلين في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة ضد المنافسين، يساهم بشكل مباشر في تسميم النقاش العمومي وضرب الثقة في العملية الديمقراطية. فالمنافسة السياسية لا يمكن أن تتحول إلى حملات تشهير دائمة، لأن الخاسر الحقيقي في النهاية هو صورة السياسة نفسها.
وعلى الأحزاب كذلك أن تدرك أن الخطاب الشعبوي القائم على الإثارة والعاطفة والوعود الكبرى دون حلول واقعية، لم يعد قادرا على إقناع المواطن كما كان في السابق. فقد أثبتت التجارب أن الشعارات القوية قد تحقق ضجيجا سياسيا، لكنها لا تبني اقتصادا ولا تعالج الأزمات الاجتماعية، بل قد تساهم في توسيع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ومن الضروري أيضا أن تحافظ الأحزاب على وضوح هويتها الفكرية والسياسية، لأن ما يربك المشهد اليوم هو لجوء بعض التنظيمات إلى تبني اختيارات لا علاقة لها بتاريخها أو مرجعيتها فقط لمزاحمة خصومها انتخابيا.

ويظهر ذلك في محاولة بعض الأحزاب رفع شعار “الديمقراطية الاجتماعية” رغم أنها لم تنشأ داخل هذا التوجه ولم تدافع تاريخيا عن قيمه، في محاولة لمنافسة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي ارتبط اسمه بهذا الاختيار السياسي لعقود طويلة.
إن هذا التداخل في المرجعيات يخلق حالة من اللبس والضبابية والتيه لدى المواطن، ويجعل الناخب عاجزا عن التمييز بين المشاريع السياسية الحقيقية وتلك التي تستعمل الشعارات فقط كوسيلة للتسويق الانتخابي. لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى نسخ خطابات الآخرين، بل إلى تقديم بدائل واضحة ومنسجمة وصادقة.
كما أن الأحزاب مطالبة بالعودة إلى العمل المؤسساتي الحقيقي، وإعطاء الأولوية للنقاش الداخلي وإشراك الكفاءات والشباب في صياغة البرامج بدل الاكتفاء بخطابات موسمية تظهر فقط مع اقتراب الانتخابات. فالديمقراطية لا تختزل في يوم الاقتراع، بل تبنى يوميا عبر التأطير والتواصل الجاد والإنصات لانشغالات المواطنين.
ومن جهة أخرى، يبقى من واجب الدولة أن تضمن إجراء انتخابات في جو شفاف ونزيه وديمقراطي، تحترم فيه قواعد التنافس الشريف وتكافؤ الفرص، لأن حماية الثقة في المؤسسات مسؤولية جماعية لا يمكن التفريط فيها.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب سياسي يعيد الأمل بدل صناعة الشك، ويقوي الثقة بدل تغذية الإحباط، لأن استمرار العزوف يعني اتساع المسافة بين المواطن والسياسة، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على المسار الديمقراطي.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي أمام الأحزاب اليوم ليس فقط الفوز بالمقاعد، بل استعادة ثقة المواطن. فالدول لا تبنى بالشعبوية ولا بالتبخيس ولا بالشعارات المؤقتة، بل تبنى بالوضوح، والمصداقية، والعمل السياسي المسؤول.