من العاصمة .. ألفا جهاز ضد الغش… فمن يُنقذ المدرسة من انهيار القيم؟
سبق أن تحدثنا في هذا الفضاء عن أزمة القيم داخل المدرسة المغربية، وعن التحولات الخطيرة التي جعلت الغش يتحول لدى بعض التلاميذ من سلوك معزول ومرفوض إلى ممارسة يكاد يُطبع معها داخل المجتمع، حتى أصبح النجاح عند البعض مرتبطًا بالحيلة أكثر مما هو مرتبط بالاستحقاق والاجتهاد.
واليوم، تعود وزارة التربية الوطنية لتؤكد مرة أخرى أنها ما تزال تدور داخل المقاربة التقنية نفسها، بعدما خصصت ميزانية مهمة لاقتناء ما يقارب ألفي جهاز لرصد أو التشويش على وسائل الغش الإلكتروني خلال امتحانات الباكالوريا، وكأن أصل الأزمة يوجد في الهاتف والسماعات فقط، لا في انهيار المنظومة الأخلاقية والتربوية التي كان يفترض أن تحصّن المدرسة والمتعلم معًا.
لا أحد يعارض حماية مصداقية الامتحانات، ولا أحد يستهين بخطورة الغش الإلكتروني وتطوره، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن للأجهزة وحدها أن تصنع النزاهة؟ وهل تستطيع التكنولوجيا أن تعوض التربية حين تغيب؟
الوزارة، وهي تتلعثم في تنزيل إصلاح حقيقي للتعليم، تبدو وكأنها اختارت الحل الأسهل: شراء المعدات بدل بناء الإنسان. بينما كان الأجدر بها أن تستثمر هذه الميزانيات في حملات وطنية واسعة للتوعية والتأطير والتخليق، تستهدف التلاميذ والأسر منذ السنوات الأولى للتعليم، وتعيد الاعتبار لقيم الاجتهاد والاعتماد على النفس وربط النجاح بالاستحقاق.
إن الغش ليس مجرد مخالفة داخل قاعة امتحان، بل هو سلوك يضرب في العمق معنى التربية، ويؤسس بشكل خطير لفكرة أن الوصول إلى الأهداف يمكن أن يتم بالخداع والتحايل. والتلميذ الذي يقتنع اليوم بأن شهادة الباكالوريا يمكن الحصول عليها بالتزوير، قد يقتنع غدًا بأن الحياة كلها يمكن اختصارها في الغش والالتفاف على القوانين.
لقد سبق أن نبهنا إلى أن المعركة الحقيقية ليست ضد الهواتف، بل ضد تآكل القيم. فنساء ورجال التعليم، رغم كل الإكراهات، قادرون على السيطرة على الوضع متى توفرت الثقة والمقاربة الأخلاقية والتربوية، لأن الأستاذ لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مراقب إلكتروني، بل إلى فاعل تربوي يزرع داخل المتعلم قناعة بأن النزاهة شرف شخصي قبل أن تكون خوفًا من العقوبة.
وختامًا، فإن تلاميذ اليوم هم عماد الغد، وهم مستقبل هذا الشعب الطيب واستمراريته. إنهم مواطنو الغد، وناخبوه ومنتخبوه، وأطره ومسؤولوه، مما يفرض علينا جميعًا اعتماد المعالجة التربوية والأخلاقية قبل المقاربة الزجرية والتقنية.
فإذا كنا نُطبّع مع الغش منذ مقاعد الدراسة، ونُحوّل النجاح إلى مجرد نتيجة تُنال بالتحايل، فإننا نكون بصدد صناعة أجيال من الانتهازيين والضباع البشرية التي لن تؤمن لا بالقانون ولا بالكفاءة ولا بالوطن. أجيال قد تنجح في الامتحان، لكنها ستفشل في بناء مجتمع سليم ومتوازن.
إن المدرسة ليست فقط فضاءً لتلقين الدروس، بل هي مصنع للقيم، وحين تفشل في صناعة الإنسان النزيه، فإن كل الأجهزة والميزانيات تصبح بلا جدوى. لذلك، فإن معركة تخليق المدرسة المغربية اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية لحماية مستقبل البلاد والمجتمع.












