الأندلس: الاشتراكيون لم ينهزموا بل تراجعوا… واليمين لم ينتصر لأنه صار رهينة ( Vox) الحزب اليميني المتطرف
لم تكن انتخابات الأندلس ليوم 17 ماي 2026 مجرد اقتراع جهوي عابر، بل كانت تمرينا سياسيا قاسيا أعاد طرح سؤال التحولات العميقة داخل المجتمع الإسباني. صحيح أن الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني تراجع إلى 28 مقعدا، وهي نتيجة لا يمكن التعامل معها بخفة أو تبرير سهل، لكن الصحيح أيضا أن الحزب الشعبي، رغم تصدره بـ53 مقعدا، لم يحقق النجاح السياسي الكامل، لأنه فقد الأغلبية المطلقة، وأصبح مرغما على البحث عن سند لدى (Vox)، الحزب المعروف بخطابه المتطرف تجاه الهجرة والهوية وقضايا التعايش.
الاشتراكيون لم ينهزموا… بل تراجعوا لأن المجتمع الانتخابي تغير
الخطأ الأكبر في قراءة النتيجة هو القول إن الحزب الاشتراكي انتهى في الأندلس. ما وقع ليس نهاية سياسية، بل تراجع انتخابي يفرض المراجعة. فالتركيبة الناخبة تغيرت: شباب بين 25 و35 سنة يصوت جزء منهم لـVox بمنطق الموضة السياسية أو التصويت العقابي، طبقات وسطى قلقة من الضرائب والغلاء، وفئات شعبية لم تعد تصوت فقط بذاكرة الماضي الاشتراكي.
هنا يظهر أن الحزب الاشتراكي الأندلسي لم يستوعب بعد هذا التحول بالعمق المطلوب. السياسة لم تعد مجرد رصيد تاريخي، بل قدرة يومية على مخاطبة الناس بلغتهم الجديدة: الصحة العمومية، التعليم العمومي، السكن، الشغل، الأمن الاجتماعي، الضرائب، والهجرة. لذلك كان اختيار مرشحة مرتبطة في الوعي الشعبي بـمصلحة الضرائب اختيارا غير موفق. فالناس قد تقبل الضريبة حين ترى مقابلها في المدرسة والمستشفى والخدمة العمومية، لكنها لا تصوت بسهولة لمن يذكرها شهريا بضغط الأداء والاقتطاع.
اليمين تصدر… لكنه لم ينتصر لأنه صار محتاجا إلى (Vox)
الحزب الشعبي يمكنه أن يحتفل بالمرتبة الأولى، لكنه لا يستطيع أن يحتفل بحرية الحكم. لقد فقد الأغلبية المطلقة، وهذا معطى سياسي جوهري. لم يمنحه الناخب الأندلسي شيكا على بياض، بل وضعه في موقع المتصدر العاجز عن الحكم المريح دون Vox.
وهنا تكمن المفارقة: اليمين تقدم عدديا، لكنه تراجع سياسيا، لأنه أصبح محكوما بابتزاز اليمين المتطرف. كل قرار حكومي مقبل في الأندلس سيحمل ظل ( Vox)، سواء في ملف الهجرة، أو سياسات المساواة، أو التعليم، أو الصحة، أو العلاقة مع المهاجرين. وهذا الوضع يهدد الاستقرار والتعايش داخل مجتمع إسباني معروف عموما بسلميته وانفتاحه.
صحيح أن بعض التصرفات الفردية الرعناء من بعض المهاجرين، حين لا تحترم قوانين المجتمع الإسباني وقيمه المدنية، تمنح اليمين المتطرف مادة سهلة للتحريض. لكن الخطأ الفردي لا يجب أن يتحول إلى إدانة جماعية. هنا بالضبط تظهر مسؤولية اليسار: الدفاع عن التعايش، وفي الوقت نفسه الدفاع عن احترام القانون، حتى لا يترك الساحة لمن يحول الخوف إلى أصوات انتخابية.
اليسار تراجع في مركزه… لكنه ما زال حيا في المجتمع الأندلسي
من الخطأ الاعتقاد أن الأندلس أصبحت محافظة نهائيا. فجزء من التصويت التقدمي لم يذهب إلى اليمين، بل تحرك داخل العائلة اليسارية نفسها، خاصة مع تقدم اليسار المحلي الراديكالي. وهذا يعني أن القاعدة الاجتماعية اليسارية ما زالت قائمة، لكنها لم تعد مجتمعة تلقائيا حول الحزب الاشتراكي.
لذلك، فالمطلوب ليس جلد الذات، بل إعادة بناء ذكية. الحزب الاشتراكي مطالب بالإنصات إلى الناخب الجديد، وبالعودة إلى الأحياء والقرى والشباب والنساء والعمال والطبقات الوسطى المتعبة. كما أن عليه أن يحول الاحتجاجات الاجتماعية حول الصحة والتعليم إلى مشروع سياسي واضح، لا أن يترك الغضب الاجتماعي يتحول إلى تصويت عقابي لصالح Vox)).
الخلاصة أن الاشتراكيين لم ينهزموا، بل تراجعوا. واليمين لم ينجح كاملا، لأنه فقد استقلالية قراره. أما المستقبل السياسي في إسبانيا، فلا يحسم من الأندلس وحدها، بل من ميزان وطني لا يزال يمنح الحزب الاشتراكي العمالي موقع الصدارة في استطلاعات الرأي بحوالي 36 في المائة. وهذا يعني أن الاشتراكية الإسبانية ما زالت تملك أفقا وطنيا قويا، شريطة أن تحول هذا الاستقرار في الرأي العام إلى تجذر ترابي جديد، وأن تفهم أن الطريق إلى الجولة المقبلة يبدأ من مراجعة هذا الدرس الأندلسي بجرأة وهدوء.
(*) عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الكاتب الإقليمي للحزب بتطوان












