كتاب العدد

من حقبة التحرير … إلى سنوات الوصولية والانتهازية !؟

من حقبة التحرير والاستقلال، إلى سنوات الجمر والرصاص ثم المصالحة والانتقال الديمقراطي، إلى سنوات التيه السياسي والوصولية والانتهازية والريع…
عرف المغرب في عقود سابقة مواجهة الاحتلال الغاشم بروح وطنية نجحت في الجهاد السياسي والعسكري والمقاومة المسلحة والتأطير والتوعية الوطنية بحس المقاومة والممانعة والصمود حتى تحقق الاستقلال…
وتميزت نهاية الخمسينات بتشكيل حكومات، منها التي ترأسها أحمد بلافريج، أحد القيادات الوطنية والسياسية في حزب الاستقلال، وبعد تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أُسندت قيادة الحكومة لعبد الله إبراهيم، الوطني والسياسي والزعيم الذي أصبح من قادة الاتحاد مع الزعماء الوطنيين عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة… إلخ، بعد انتفاضة تنظيمية سياسية وفكرية بحزب الاستقلال…
كما عرف المغرب في سنوات الجمر والرصاص سعيا نضاليا لتغيير بعض السياسات الموروثة عن الاحتلال، ولتطهير المؤسسات وبناء الإدارات والأطر المغربية، وأُسست وبُنيت جمعيات وطنية رائدة شكلت مدارس تكوينية وتنظيمية تطوعية اشتغلت في مجالات مختلفة تهم الطفولة والشباب والنساء والعالم القروي والشبيبة العمالية، وأنتجت أطرا وكفاءات في العديد من المجالات، فبرز منهم ومنهن خبراء ومنتجون ومبدعون في الأدب والشعر والفكر والعلوم الحقة وسياسيون…
واعتمدت في هذه العقود آليات تدافع بقيادة المعارضة الوطنية الاتحادية للقطع مع جناح المحافظين التحكميين الذين كان البعض منهم يعمل مع مؤسسات الاحتلال، والذين يرفضون البناء الديمقراطي والعدالة الاقتصادية والاجتماعية وفصل السلط… وعرفت هذه السنوات ارتقاء شهداء، واعتقالات وقمعا ونفيا واختطافات وقطع الأرزاق… وفي هذه الحقبة انطلقت آليات تجديد الفكر والفعل النضالي والسياسي والنقابي… وامتدت حالة الاستثناء سنوات، استشهد فيها العديد من المناضلين والمناضلات من القاعدة والقيادة.
ومما تميزت به هذه المرحلة وجود عمل كتلوي تاريخي وطني تقدمي ويساري اشتغل لبناء وإقامة وفاق وطني يساير ويستجيب للمصالح العليا للوطن وفق متطلبات وتوازنات كل مرحلة، وكانوا يشكلون قوة فاعلة وإيجابية قادرة على الريادة الحكيمة وعلى إرساء أسس التنمية الملموسة التي تستجيب لواقع الشعب وطموحاته.
وتميزت أيضا هذه المرحلة بوجود برجوازية وطنية بناءة فاعلة في الاقتصاد الوطني تتكامل في مبادئها مع القوى الوطنية والتقدمية، ومن عطاءات هذه المرحلة الصعبة أن العديد من مناضليها أصبحوا مسؤولين كبارا في العديد من مؤسسات الدولة العمومية وشبه العمومية والجامعية والتعليم العمومي بكل أسلاكه، ومهندسين وتقنيين، وفي قطاع المحاماة وفي كل التخصصات… إلخ.
لقد طويت هذه الحقبة بإصلاح دستوري جزئي سنة 1996، وعقب ذلك أُجريت الانتخابات الجماعية والتشريعية وتشكلت حكومة التناوب التوافقي برئاسة الوطني والمجاهد والمعارض الكبير عبد الرحمن اليوسفي، الذي زكاه ملكان، فوضعت الحكومة برامج وفتحت أوراشا تنموية كبرى ودشنت مراجعات وإصلاحات حقوقية ومدنية وتشريعية لتقوية الدولة المدنية الديمقراطية.

ومما تميزت به هذه المرحلة وجود عمل كتلوي تاريخي وطني تقدمي ويساري اشتغل لبناء وإقامة وفاق وطني يساير ويستجيب للمصالح العليا للوطن وفق متطلبات وتوازنات كل مرحلة، وكانوا يشكلون قوة فاعلة وإيجابية قادرة على الريادة الحكيمة وعلى إرساء أسس التنمية الملموسة التي تستجيب لواقع الشعب وطموحاته.
وتميزت أيضا هذه المرحلة بوجود برجوازية وطنية بناءة فاعلة في الاقتصاد الوطني تتكامل في مبادئها مع القوى الوطنية والتقدمية، ومن عطاءات هذه المرحلة الصعبة أن العديد من مناضليها أصبحوا مسؤولين كبارا في العديد من مؤسسات الدولة العمومية وشبه العمومية والجامعية والتعليم العمومي بكل أسلاكه، ومهندسين وتقنيين، وفي قطاع المحاماة وفي كل التخصصات… إلخ.
لقد طويت هذه الحقبة بإصلاح دستوري جزئي سنة 1996، وعقب ذلك أُجريت الانتخابات الجماعية والتشريعية وتشكلت حكومة التناوب التوافقي برئاسة الوطني والمجاهد والمعارض الكبير عبد الرحمن اليوسفي، الذي زكاه ملكان، فوضعت الحكومة برامج وفتحت أوراشا تنموية كبرى ودشنت مراجعات وإصلاحات حقوقية ومدنية وتشريعية لتقوية الدولة المدنية الديمقراطية.
وانطلقت معها ترتيبات تنزيل الانفراج السياسي والإعداد لما سيطلق عليه «الإنصاف والمصالحة» التي تهم ما بين 1956 و1999. وأكدت نتائج انتخابات 2002 حصول الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الأولى للولاية الثانية من حيث عدد المقاعد النيابية، ليصبح رغم ذلك مشاركا في حكومة وزير أول «رجل أعمال تكنوقراطي له علاقات مع القوى الوطنية» بمبرر استكمال تنزيل الأوراش الكبرى.
ثم جاء ربيع الاحتجاجات الشعبية الذي تجاوبت معه الدولة -على خلاف ما حصل في دول مغاربية ومشرقية- بالدعوة إلى إجراء إصلاحات دستورية عام 2011، وإجراء انتخابات سنة 2011 بنظام رئاسة الحكومة، فكانت الحصيلة الإجمالية لولايتين مما سمي، حسب قولهم، «بإصلاحات؟» عطلت منجزات حكومة التناوب في الجانب الاجتماعي والاقتصادي، وأزعجت وألحقت الضرر بالطبقة الوسطى والموظفين والطبقة العاملة والكادحين والمتقاعدين…
وجُمد الحق في الإضراب ببدعة «الأجر مقابل العمل» لتبرير الاقتطاعات ولإفشال الحركات الاحتجاجية والمطلبية، و»فتوى» تنصح العامة بعلاج أنفسهم وتعليم أبنائهم من أموالهم الهزيلة، كما «فُتح» باب تحرير الأسعار وتيسير ارتفاعها، مما أدى إلى تدهور مستوى عيش الجماهير الشعبية…؟؟
وكان من نتائج السياسات الحكومية تسلل ظواهر مفسدة -لا نعلم هل في غفلة من الجميع أو بعلم لازمه غض الطرف باستصغار الضرر والمخاطر- شكلت مسارات حرفت وعطبت روح وجوهر الديمقراطية والوعي السياسي، وتسببت في إلحاق الضرر بتنظيمات سياسية وحزبية ونقابية وجمعوية، حيث غرست بذور الشقاق والنفاق ونوايا تصيد الفرص والريع والإثراء السريع والعبثية…؟
فأهلكت «البلطجة» والوقاحة السياسوية الفضاء العمومي في مجالاته الخاصة وشبه العامة، وامتدت الآثار السلبية إلى أن أصبح السوق مرتبكا ليس بسبب قلة الإنتاج والعرض، بل بسبب الاحتكار وتطور أساليب المتحكمين في هذه المنظومة الانتهازية الظالمة التي لا تهتم بالخطابات والقرارات الرسمية.
فأصبح «الشناقة» و»الوسطاء» فئة محترفة لا يستهان بها، ولم يبق لهم بوقاحتهم إلا أن يسعوا إلى تأسيس منظمة تجمعهم باعتبارهم مدراء في صنع الأزمات والإفلاس بالأسواق، التي زعزعت أوضاع الفلاحين والتجار الصغار والمتوسطين، كما أبانوا عن قدرتهم على «شفط» جيوب الشعب وتفقيره برفع أسعار المواد الأساسية التي كانت جوهر عيش وتغذية غالبية الناس، حتى أصبح من المتمنيات التمكن من شراء ما تيسر من العدس والفول والحمص واللوبيا والأرز والمعجنات… والبصل والطماطم والجزر واللفت والفلفل والدنجال…؟؟؟ أما الأضاحي واللحوم والأسماك فكادت تصبح من الممنوعات بسبب أثمانها…
إن خطورة هذه الفئة تجلت في دخول «الوسطاء» و»الفراقشية» و»السماسرة» و»الشناقة» إلى عوالم السياسة، وغاياتهم تضييق الخناق على القوى الحية الوطنية والديمقراطية والمدنية وإضعافها، مما ألحق وسيلحق الأضرار الجسيمة بالسياسات الوطنية وإعاقة إرادة الدولة وتوجيهاتها الإصلاحية والتنموية…
إنهم يسعون للتحكم حتى في آليات الانتخابات، في الترشح وفي تنظيم «الترحال والهجرة» بين الانتخابات الجماعية الترابية والانتخابات التشريعية، مما أفسد المشهد الحزبي والسياسي وضخم من مستوى فقدان ثقة الناس في الاستحقاقات الدستورية مع ارتفاع تدني مستوى المشاركة فيها…؟ فتبنت بعض الأحزاب سياسة فرق كرة القدم في تنقل اللاعبين وبيعهم لفرق أخرى؟؟
لقد أصبح من أوجب الواجبات على جميع المؤسسات وقوى المجتمع المدني العمل من أجل تعطيل وشطب كل تلك السلوكات اللامسؤولة واللاأخلاقية التي تنخر جسد الأمة وتتلف أساسات كل بناء تنموي، وضرورة وقف هذا النزيف الذي يسيء لحقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، ويشوش على سياسات الدولة الاستراتيجية، ويشوه ويعطل الديمقراطية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والحقوقية، ويرفع من مستوى فقدان الثقة والشك في التزامات المؤسسات.
إنه لا بد من تخليص الوطن والشعب من كل تلك المفاسد والمحرمات والممنوعات، مع أهمية إجبارية تخليق الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والإدارات الترابية والعلاقات العامة، حتى نتمكن من استدراك الأزمنة التنموية الضائعة بتوحيد السرعة البناءة والرصينة في كل المجالات في وطننا، بالكفاءات والعقلاء والوطنيين والحكماء، لنكون قادرين على الالتحاق بمراتب الدول العظمى، وما ذلك على الدولة والشعب بعزيز أو صعب…