المسرح الوطني بتطوان:من «سينما المصلى» إلى معلمة ثقافية تنتظر استعادة بريقها وتوهجها
في قلب مدينة تطوان، يقف المسرح الوطني شامخا بواجهته الحديثة، شاهدا على مرحلة جديدة من تاريخ فضاء ثقافي عريق كان يعرف لسنوات طويلة باسم «سينما المصلى»، إحدى أبرز القاعات السينمائية التي ارتبطت بذاكرة أجيال من أبناء المدينة وزوارها.
هذا الصرح الثقافي لم يكن مجرد قاعة لعرض الأفلام، بل شكل لعقود فضاء فنيا واجتماعيا احتضن لقاءات الجمهور بعالم السينما والمسرح والفن، وأسهم في تنشيط الحياة الثقافية بمدينة اشتهرت بتاريخها الفني والحضاري. وكانت «سينما المصلى» قبلة لعشاق الشاشة الكبيرة في زمن كانت فيه القاعات السينمائية تمثل متنفسا ثقافيا وترفيهيا أساسيا.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح التآكل والإهمال يظهران على البناية القديمة، قبل أن يتم إطلاق مشروع لإعادة تأهيلها وترميمها في إطار مشروع ضخم لإعادة ترميم وتثمين المدينة العتيقة بتطوان ومعالمها الحضارية. تحويل هذا الفضاء الثقافي والفني إلى مسرح وطني بمواصفات حديثة، اعتبره المتتبعون مكسبا ثقافيا مهما للمدينة وللحركة المسرحية بالشمال عموما.
وقد شملت أشغال الإصلاح إعادة تهيئة الفضاء بكامله وتجهيزه بتقنيات ومعدات حديثة، إلى جانب الحفاظ على البعد الرمزي والمعماري الذي يربط المكان بذاكرة التطوانيين. غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، ظل يثير تساؤلات عديدة حول وتيرة استغلاله وبرمجته الثقافية، خاصة بعد سنوات من انتهاء أشغال الترميم والإصلاح .
عدد من الفنانين والجمعيات الثقافية عبروا عن استغرابهم من استمرار إغلاق المسرح رغم الحديث المتكرر عن انتهاء الأشغال بمدة طويلة، متسائلين عن مصير المشروع والأسباب الحقيقية وراء عدم فتح أبوابه أمام العموم إلى حدود اليوم، خاصة وأن ميزانيات مهمة رصدت لهذا الورش الذي كان يفترض أن يشكل إضافة نوعية للمشهد الثقافي بالمدينة.
البعض الآخر يرى أن استمرار إغلاق المسرح الوطني لا يؤثر فقط على الحركة الفنية، بل ينعكس أيضا على صورة المدينة الثقافية والسياحية، باعتبار أن المسرح يشكل فضاء أساسيا لاستقطاب التظاهرات والعروض المحلية و الوطنية، ناهيك عن دوره في تشجيع المواهب الشابة وصقل قدراتها الفنية سيما أمام الضعف المسجل على مستوى البنيات الثقافية بالمدينة .
في المقابل، يطالب فاعلون ثقافيون الجهات المسؤولة بتوضيح رسمي للرأي العام حول مآل المشروع، والكشف عن الأسباب التي حالت دون افتتاح المسرح إلى اليوم، مع تحديد موعد واضح لاستئناف نشاطه، بدل استمرار حالة الغموض التي أصبحت تثير الكثير من الجدل داخل الأوساط الثقافية بالمدينة..
إن طول مدة الإغلاق، وغياب أي توضيحات رسمية دقيقة حول أسباب التأخير، خلقا حالة من التذمر لدى المهتمين بالشأن الثقافي الذين يرون أن مدينة بحجم وتاريخ تطوان لا تستحق أن تبقى بدون فضاء مسرحي رسمي لسنوات طويلة، خصوصا في ظل تنامي عدد المهرجانات والأنشطة الفنية التي تضطر للبحث عن فضاءات بديلة تفتقر في كثير من الأحيان للشروط التقنية المناسبة.
هذا وينتظر أن يتحول المسرح الوطني بتطوان في حالة فنح أبوابه من جديد إلى مركز إشعاع فني حقيقي يحتضن العروض المسرحية والسينمائية والأنشطة الثقافية، بما ينسجم مع المكانة الثقافية التي تتميز بها المدينة، ويعيد الحياة إلى فضاء ظل لعقود جزءا من الذاكرة الجماعية لسكان تطوان.
وبين الماضي الذي تختزنه «سينما المصلى» والحاضر الذي يمثله المسرح الوطني، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة الروح لهذه المعلمة الثقافية حتى تستعيد دورها الطبيعي كمنبر للإبداع والفن والثقافة.












