فجأة معدل 10.8 %.. هل نجحت الحكومة في خلق الشغل أم نجحت المندوبية في تغيير منهجية الإحصاء؟
أصدرت المندوبية السامية للتخطيط مذكرة إخبارية حديثة حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الأول من سنة 2026، كشفت فيها عن تراجع ملحوظ ومفاجئ في معدل البطالة الوطني ليصل إلى 10,8%. ويأتي هذا الرقم ليرسم علامات استفهام كبرى لدى المتتبعين للشأن الاقتصادي، خاصة عند مقارنته بمعدل البطالة المسجل في سنة 2025 والذي بلغ 13%، مما يعني انخفاضا هاما قدره 2,2 نقطة مئوية في ظرف عام واحد فقط، وهو إنجاز يمكن وصفه بـ «المعجزة الإحصائية» في ظل نمو اقتصادي متوسط لم يتجاوز 4 %.
ويطرح هذا التراجع القوي لمعدل البطالة تساؤلات موضوعية حول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على خلق مناصب شغل بهذه السرعة وبهذا الحجم في ظل نمو اقتصادي متوسط. فالمعطيات الواردة في المذكرة تشير إلى أن المندوبية اعتمدت «جيلا جديدا» من البحوث (EMO2026) يرتكز على «تحديثات مفاهيمية عميقة؟!! « وفق معايير منظمة العمل الدولية. ومن أهم هذه التغييرات، اعتماد «معدل البطالة بالمفهوم الضيق» الذي لا يحتسب سوى الأشخاص الذين لا يتوفرون على شغل مقابل دخل، والمستعدين للعمل، والذين قاموا ببحث فعلي عن شغل في الأسابيع الأربعة السابقة. هذا الانتقال المنهجي يدفعنا للتساؤل: هل الانخفاض ناتج عن تحسن حقيقي في بنية الاقتصاد وخلق فرص شغل مستدامة، أم هو نتيجة مباشرة لتضييق معايير الإحصاء التي استبعدت فئات تعد إحصائيا بمئات الآلاف من الشباب والنساء كانت تصنف سابقا ضمن جيش العاطلين؟
وبالنظر إلى الأرقام التفصيلية، نجد أن التفاؤل الذي تبديه الأرقام الرسمية سرعان ما يصطدم بواقع مرير لبعض الفئات الهشة، فعلى الرغم من تراجع المعدل العام، لا تزال البطالة تنخر جسد الشباب والنساء بشكل مقلق. فحسب التقرير، يسجل الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة معدل بطالة يصل إلى 29,2%، وهو رقم يرتفع بشكل صاروخي في الوسط الحضري ليبلغ 38%. أما في صفوف النساء، فإن معدل البطالة يبلغ 16,1% على المستوى الوطني، ويقفز إلى 19,8% بالمدن. وتؤكد هذه الفوارق الصارخة أن ادعاءات الحكومة حول التشغيل، مهما كانت الأرقام المعلنة وردية الألوان، لا تزال تعجز عن إدماج الفئات الأكثر حيوية في الدورة الاقتصادية، مما يعمق الفجوة بين الأرقام الإحصائية والواقع الاجتماعي.
وهناك تساؤل آخر يفرض نفسه حول «جودة» هذا التشغيل المحدث، حيث يشير التقرير إلى أن قطاع الخدمات لا يزال هو المشغل الأول بنسبة 49,1%، يليه قطاع الفلاحة بنسبة 24,5%. ومع ذلك، يكشف المؤشر المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة عن صورة أكثر قتامة، حيث يبلغ هذا المعدل 22,5% على الصعيد الوطني، ويرتفع لدى الشباب إلى 45,3% ولدى النساء إلى 31,1%. هذا المؤشر يدمج ليس فقط العاطلين، بل أيضا الأشخاص في حالة «شغل ناقص» (الذين يعملون ساعات أقل مما يرغبون) و»القوة العاملة المحتملة». ولعل بقاء هذه النسب مرتفعة يعني أن الاقتصاد لا يوفر وظائف كاملة ومستقرة، بل يعتمد على أنشطة هشة قد تفسر سرعة تقلب الأرقام بين عشية وضحاها.
علاوة على ذلك، يبرز التباين الجهوي كعامل مقلق في توزيع ثمار هذا «النمو المزعوم»، فبينما تسجل جهة الداخلة-واد الذهب معدل بطالة منخفضاً جدا (5,7%)، تعاني جهة العيون الساقية الحمراء من أعلى معدل وطني بنسبة 20,3%، تليها الجهة الشرقية بـ 14,9%. ويؤكد التفاوت أن السياسات العمومية في مجال التشغيل لا تزال تفتقر إلى العدالة المجالية، مما يجعل بعض الجهات «خارج التغطية» التنموية.
ويطرح انخفاض البطالة بهذه الوتيرة الإحصائية المتسارعة، والتي قد تصل إلى 3 نقاط ونصف سنوياً إذا ما قارنا الفصل الأول من 2026 بما سبقه، مجموعة من التساؤلات المشروعة: ما دام معدل البطالة يتراجع بـ 2,2 في المائة سنويا، هل يمكن للمغرب حقا القضاء على البطالة بحلول 2030؟ منطقيا، وبناءً على منطوق التقرير، نحن أمام تحول منهجي في القياس أكثر منه تحولا هيكليا في سوق الشغل، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى «صفر بطالة» على الورق عبر تضييق المفاهيم، بل في خفض «المعدل المركب للاستخدام غير الكامل» الذي يعكس حقيقة الهشاشة. وإذا استمرت الفوارق بين الرجال والنساء (معدل نشاط 66,4% للرجال مقابل 17,5% فقط للنساء) وبين المدن والقرى، فإننا سنظل أمام أرقام تفاؤلية تخفي خلفها احتياطيا كاملا من «القوى العاملة المحتملة» التي تنتظر فرصة حقيقية بعيدا عن لغة الأرقام المدورة. وبالتالي فإن حصر معدل البطالة في 10,8% لا يمكن اعتباره أبدا إنجازا سياسيا يحسب للحكومة بقدر ما هو «فدلكة» إحصائية وليٌّ لعنق الأرقام من طرف المندوبية السامية للتخطيط، التي يبدو أنها بدأت تتخلى، رويدا رويدا، عن حياديتها المعهودةوموضوعيتها الموثوقة، لتلميع واقع سوق الشغل عبر بوابات «المنهجيات الجديدة» في الإحصاء. فالحقيقة الصادمة التي يغفلها هذا الرقم «الرشيق» 10.8 هي أن عدد العاطلين في المغرب لا يزال ضخما بوجود 1.253.000 شخص بدون عمل بالمفهوم الضيق، ناهيك عن الأرقام المخيفة التي تطارد الشباب (29,2%) والنساء (16,1%) وسكان المدن (13,5%). وكل محاولة تزيين المشهد بـ «مفاهيم تقييدية» تستبعد مئات الآلاف من «القوى العاملة المحتملة» (884.000 شخص) هو خروج صريح عن الموضوعية العلمية،لكون الأرقام الحقيقية للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة التي تناهز الربع (22,5%) هي المرآة الوحيدة التي تعكس فشل السياسات العمومية في احتواء أزمة البطالة الهيكلية، بعيداعن بريق الإحصائيات الانتقائية.












