نَشيدُ الْغُرباءِ

تلْكَ الْغيمةُ عيْني الْيمْنى
الْعينُ الأخْرى خاصرةٌ نازفةٌ
فماذا سيحْدثُ حين يلْتَقي دمٌ بِماءٍ
عند مفْترَقِ الْودْيانِ؟
نِصْفُ التّفّاحةِ لِي
ونِصْفُها الآخرُ لكِ
فكيْف الْتحمَ الْجُرْحانِ معاً في حلْقي؟
لا تخْتبئي خلْفَ كُرومِ الْبُسْتانِ
الْحصّادونَ لا يُدْركونَ ما بيْنَ السّنْبُلاتِ
وأزْهارِ اللّوزِ من نَسبٍ
ما الذي ستفْعَلينهُ بمظلةٍ صمّاء؟
هي تُمطرُ الآنَ وأنا قادِمٌ إليْكِ
بأحْمالي كلِّها منْ عُيونِ الْمطرِ !
أنا كَبيرُ الْحَمْقى في قوافِلِ التّجارِ
أشْتري ضحْكةً واحدةً بِناقةٍ
وجاريةٍ، وصُرّتيْنِ من الذّهبِ
أشتري قلْعةً، وباقةً منْ خزَفِ الْقُرونِ الْخَوالي
ورَسْما لبَحّارٍ هرِمٍ يُقاومُ انْدفاعَ الْموْجِ
بِمجْدافٍ واحدٍ، وشارةِ نَصْرٍ كَبيرةٍ !
أطْرحُ أحْمالي كلّها أرْضاً، وأُنادي في الزّحامِ:
لديّ قُبورٌ للْغرْقى منَ الْمُشاةِ
حَانةٌ كامِلةُ الأوْصافِ للْمُنْفرِدينَ بأوْجاعِهم
سبايا، وغِلْمانٌ، ونخّاسونَ من غابِرِ الأزْمانِ
لَديّ بابٌ مُوارَبٌ للْخائفينَ منْ حَرسِ الْكُهوفِ
قُبّعةٌ لآخرِ الْمُحاربينَ بالسّيفِ
وأرْواحٌ مجمّدةٌ منْذ ألْفِ عامٍ
هذه كِسْوةُ «امْرِئِ الْقيْسِ «، وذاك قرْطاسُ « الْمُتنبّي»
وهذا زَغَبُ الضّائعينَ بين «شامٍ وأنْدَلُسٍ» !
لديّ قِشْرةُ الأرْضِ قبل الْحرْثِ الأولِ
وألْوانُ السّماءِ قبْل مِيلادِ الرّعْدِ
كِسْرةُ خُبْزٍ، وآثارُ دمْعٍ منْ مَائدةِ «الْعشاءِ الأَخيرِ»
هلُمّوا إليّ جميعاً يا سادةَ الْخِيامِ
ويا قادَةَ الأنْهارِ إلى مَساكِنِها، هلُمّوا إليّ
خُذوا الْفَتى الذي أضَاءَ بِسَبّابتِهِ
نفَقاً عَظيماً في لِسانِ الشّاعرِ
وأشار بِسَبّابتِهِ الأُخْرى
إلى مَطرٍ عالِقٍ بِنَواصي الْخيْلِ
ونَوافذَ مَشْروخةٍ في قُلوبِ الْفرْسانِ !
خُذوا جَسداً طالِعاً للتّوّ من سِجلاّتِ الْمَراثي
نَحيفاً، وخالياً من الشّكوكِ والأوْهامِ
على جانِبيْهِ دمٌ، وأزْهارُ لَوزٍ، وبُخارٌ خَفيفٌ
خُذوهُ منْ سُرّتهِ بِكَمّاشةٍ منْ صُوفِ الْحِمْلانِ
وازْرَعوهُ عند جُذوعِ النّخْلِ بِرأْس التّلّةِ الْخضْراءِ
يأْتِكمْ مَطرٌ فرِحٌ بِسَحائبهِ
ورائحةِ الْعُشْبِ النّديّ في كُفوفِ الزّارِعينَ
خُذونِي معَكمْ
أنا كَبيرُ الْحَمْقى في قوافِلِ التّجّارِ
لا أحْتملُ الْغِيابَ، ولا أُطيقُ هُدْأةَ الصّباحِ
تؤْلِمُني فَرْوةُ الرّأْسِ، والْورْدةُ ضامِرَةُ السّاقِ
وفِضّةُ الْقلْبِ حين تَسيحُ بينَ تَجاويفِ التّرابِ
يؤْلِمُني كيْدُ الصّحابِ
و»انْحِناءُ السّنابِلِ» في آخرِ الْعمْرِ
يُوجِعُني عرَقُ السّنينِ الْخَوالي
وأُغالِبُ الأحْزانَ مثل قُبْلةٍ مُحلّقةٍ
بين نافذةٍ وهاويةٍ !
خُذونِي معَكمْ
أنا الْفَتى الذي عَضّ سبّابتَهُ ندَماً
وكانتْ يَداهُ أعْلى كَثافةً
من مَجازِ الْعَرّافينَ، وغُبْرةِ الْحرْثِ
ولهُ حظّ عَجيبٌ منْ زَغَبِ الضّائعينَ
بين «شامٍ وأنْدلُسٍ»!












