الملحق الثقافي

«نسق الصمت: نسق ثقافة داخل ثقافة»

لغة تقاوِم وشقيقتها تُمسرِح حالات محكيات حقائب مختلفة

صدر عن دار بصمة للنشر والتوزيع بالمغرب عمل روائي للأستاذ الكاتب محمد العيساوعلي موسوم ب: «صمت الحقيبة»، في طبعته الأولى 2026. من الطبيعي أن العتبات النصيّة تُتيح للقارئ تعددية إمكانيات ولوج النص الرئيس بدءاً من عتبة الغلاف وفق تعالقات اللساني والبصري. هذا الأخير تؤشر عليه صورة اللوحة التشكيلية الرائعة للفنان عبد الكريم الأزهر، باعتبارها توهجا بصريا وتوترا يمتد عموديا في شكل مائل للرأس كحالة استفسار أو شكل بحث عن قارئ بصري ليُقحم العين ذهنيا في محاولة القبض على معنى العنوان الذي يؤشر على قول الحقيقة، استنادا إلى بنيته التركيبية ومن ثمّة التدرج في عتبة الإهداء، هنا نكون أمام «صمت الكاتب الحقيقي» يقول:
«لكل من صادفتهم، لم يكن لقاؤنا عابرا.». بعدها يختفي الكاتب أو بتعبير رولان بارث «موت المؤلف» ويحضر السارد: صانع الحياة الورقية. إذن، من يتكلم خارج النصوص الموازية؟
في المقام الأوّل من هو المتكلم في النّص الرئيس الذي تضمّنت هندسته السردية عشرين محكيا تُشيّد الحكاية الرئيسة، هذا التقطيع بالمعنى الغريماسي يُسعف التحليل في مقاربة النص في شموليته باعتباره كُلاًّ دالاًّ، إنه اللعب اللغوي والحقيبة –النص- تتمنع عن الإفصاح في الوهلة الأولى، هذا اللعب المُمتِع المؤطر داخل الحكاية يستهله السارد بثلاث حيرات وقبلها جاء اقتباس يحمله اللسان الألماني يحيل على تعضيد «حالات الفعل بالقلب»، الصمت هو كتابة قلب المُحبِّ.
إن اللحظة السردية البدئية داخل الرواية تؤشر على الحيرة وهي بداية الدهشة لسردية اللّذة، حيث إنّ كل محكي هو نسيج مُدمجٌ داخل نسيج دامِج له وهو النص في شموليته، حيث السارد ينقلنا من حالة إلى حالة مستندا على خطاب مزدوج: بمعنى (أنا/ أنت)، (الهنا/ الهناك) (ثقافتنا/ ثقافتهم)، داخل هذه الثنائيات تتأسس العلاقة «الصمت» وهي دينامية الرغبة في التواصل بين السارد والمسرود-له، يقول السارد: « مِن أين جِئت..؟ صادِقاً، لا أَعرِفُ لَكنّي أَتَيتُ. كيف وَصَلت؟ هذه قصة لا تَختلِفُ كَثيرا عن قصص غيري…» (الرواية، ص.8)
المقوم الدلالي «هذه قصة» سيميائيا، باعتباره أصغر وحدة دلالية تُسهم في بناء المسار التوليدي للنص وتفضي إلى تشييد المعنى لدى القارئ. هنا الصمت يؤسس لسرد هادئ يراهن على تعادلية الصراع الثقافي، بعدها يُقحمنا السارد داخل حالة «نقص» الذي يستوجب «الفعل» الذي يشترط القدرة والاستطاعة والتأهيل، يقول: «ماذا سأكتب؟ طال مقامك يا قلم (…) سنَمضي معاً في فِعلِ الكِتابَة» (الرواية، ص.9).
الرواية ومتعة التضاد، حين نقف على سؤال السارد مباشرة نقلب السؤال، فنكون أمام الذات القارئة وهي تسأل: ماذا سأقرأ؟
داخل تناظرية السؤالين تشرع الذاتان المتقابلتان، السارد/ المسرود له، في مُمَسرحة حيوات الحقيبة، هنا يختفي الصمت ويتعطل ليسمح للغة بأن تؤسس علاقة تواصل ماتِع والعهدة على الخطاب حين يفتح الحقيبة بمقولة تشمل الجميع: « حَيرَتي الأولى.. ما أجملك يا وطَني!» تعجب بصيغة السرد المتعالي على حقيبة أخرى أو هو صراع رمزية الحقيبة في تقابل مع رمزية الوطن، فنصير أمام: ما أجملك يا حقيبتي! نداء البعيد القريب، مباشرة بعد هذا الأسلوب الذي هو«فنّ الرواية» وعِطرها حيث ننتقل إلى قوّة الفعل، يقول: « سأكتب. تشغلني -وبإلحاح- فكرة القفز عن الزمان والمكان والكتابة خارج القواعد» (الرواية، ص.9).
في الحيرة الثالثة يستدعي السارد المسرود-له أن يلج قانون اللعب السردي الروائي وأن يتمثل حالات المثلث (الزمان/ المكان/ الكتابة خارج القواعد)؛ ها نحن نبتعد عن الثنائيات ونلج قانون العلامة عند شارل سندرس بورس من خلال «المؤول الدينامي»، ذلك الركض اللا-نهائي وراء المعنى أي «السيميوزيس»، فلا أحد يستطيع تعطيل دقات قلبه راكضا وراء معنى لا يمكن الإمساك به، وهذه هي متعة تتبع استراتيجيات بناء المعنى داخل –الصمت- صمت الحقائب والشخصيات والفضاءات والأزمنة. أيضا هي دينامية النص الروائي كما أسس لها أحمد اليبوري باعتبار أن المعنى؛ حركي ديناميكي من خلال شبكة لامتناهية من العلاقات بين جميع مكونات النص الروائي.
نقرأ لنتمتع أولا ومن ثمّة نحاكي المحاكاة الجيّدة لحيوات متعددة. إنه تفاعل السارد والمسرود-له لتحقيق حالة تنفيس وجداني أو هو شكل تطهير معرفي، «كاتارسيس» بالمعنى الأرسطي.
إجمالا، هذه عتبة قرائية في رواية «صمت الحقيبة» في لحظتها السردية البدئية، ويمكنني أن أشير إلى بعض التمفصلات الكبرى في مسارات محكي «صمت الحقيبة»، حيث إن السارد يُمسرح محكياته من خلال الذاكرة الطفولية وما صار عليه الآن وهي زمنية بعيدة وأمكنة مختلفة أفصح عنها ب «القفز على الأزمنة والأمكنة». إنها سردية حالات مجتمعين- حقيبتين- مختلفتين ثقافيا وجغرافيا، وفي الاختلاف يتمظهر لنا المعنى بتعبير غريماس، وكأن القارئ يؤوّل ويفسر ويشرح ويستضيح ويستبين وينتقد ويتوقف ويستمر ويركض ويلهث ويصاب بمتعة السرد ليهزم الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتخييلي والتاريخي من خلال المؤول الدينامي. التأويل يمنح النص حياته، إنه ينتصر للصمت كلغة أخرى وهي لغة المسرود-له، أيضا يتذوق رائحة الفضاءات والأطعمة المختلفة وحالات الفرح الكرنفالية وطرائق السفر والهجرة والتحولات السوسيوثقافية التي شهدها المغرب وخصوصا منطقة الريف، وكأنه يعبر جسر المعرفة وفق طقوس الرواية المعرفية أو سرديات الأخلاق بتعبير فيليب لوجون، حيث إن السارد يؤسس لعلاقة ميثاق أخلاقي مع المسرود-له؛ وما قراءة الصمت إلا شكل بناء آخر للمعنى المتعدد اللا-متناهي، ونستضيح هذا في اللحظة السردية الختامية من خلال قانون الحوارية عند باختين، أي تداخل الأصوات وتعددية الثقافات في الرواية:
«… وأَردَفتُ مُعلِّقا على مداخلته: أنت بخاصرتك في المغرب وعقلك في ألمانيا.
قلتُها باللغة الريفية وأعَدت قولها باللغة الألمانية أيضا كي يَصِله مفهومها جيدا، وانفَجَر –ومن كان حاضرا- ضحكا. عبارة ظَلّت موشومة في ذاكرته إلى يومنا هذا، يُذكِّرُني بها من حين لآخر، وكأنّه يقول لي:
الرّيف قَلبي، خاصرتي.. وتَفَنْسة قريتي والمغرب أنت وأجدادي وعائلتي.. وإخوتي وطني … وألمانيا عقلي». (الصفحة الأخيرة من الرواية).
الصمت هنا هو اللا-حدود للغة، إن المقطع السردي الختامي الذي يؤشر على صمت إيجابي، إنه صمت الذاكرة والقلب والريف وأمكنة أوروبا وثقافتها، الصمت هو اختلاف ثقافتين، اختلاف قارتين ولسانين، اختلاف الهويات المغربية المنصهرة في هوية واحدة، اختلاف إيقاع السرد بين صمت شخصيات مختلفة، وأكتفي بشخصية الأب والابن وحوارهما السالف ذكره، وأترك للقارئ متعة صمت الشخصيات الأخرى داخل الرواية باعتبار أن الصمت يستضيح تصويرية الأحداث والوقائع داخل النص، ويسهم في انفتاح الرؤية واشتغال الفكر والتخييل، إنه النظرة العميقة للسرد.
عموما، إن الصمت هو نسق يتسم بشفافية البوح والإضمار والتعقيد ومحكي الذاكرة السائل، الصمت نسق داخل نسق اللغة في تعددية أشكال اللعب التصويري ومسرحة أشكال حياة، إنه كتابة بالقلب، كما نادى به الروائي والسينمائي والشاعر المغربي أحمد بوعناني: «القلب هو الذي يكتب».