وسائط وإعلام

160 خبيرا من 50 دولة يتنافسون بالمغرب لمواجهة الجريمة الرقمية وهجمات الفدية

في خطوة تعكس تصاعد مكانة المغرب داخل منظومة الأمن الرقمي الدولية، تحتضن مدينة مراكش، ما بين 19 و21 ماي 2026، فعاليات النسخة الجديدة من “Cyber Games and Digital Security Challenge”، إحدى أبرز التظاهرات العالمية المتخصصة في مكافحة الجرائم السيبرانية وتعزيز الأمن الرقمي.
هذا الحدث، الذي ينظم بشراكة بين مجلس أوروبا والإنتربول إلى جانب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات، سيجمع نحو 160 خبيرا ومتخصصا في الأمن السيبراني والتحقيقات الرقمية من قرابة 50 دولة، في أول نسخة تحتضنها القارة الإفريقية منذ إطلاق هذه المبادرة الدولية.
ويحمل تنظيم المغرب لهذا الحدث دلالات تتجاوز البعد التقني، إذ يعكس اعترافا دوليا بتنامي دور المملكة كشريك أساسي في جهود مكافحة الجريمة الإلكترونية العابرة للحدود، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الفضاء الرقمي عالميا.
**إفريقيا تدخل قلب المعركة السيبرانية
لا يبدو اختيار مراكش لاحتضان هذه المنافسة الدولية معزولا عن التحولات التي تعرفها القارة الإفريقية في مجال الرقمنة والأمن المعلوماتي. فمع تزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية والاقتصاد الإلكتروني، أصبحت الدول الإفريقية أكثر عرضة للهجمات السيبرانية، سواء المرتبطة ببرامج الفدية أو سرقة البيانات أو عمليات غسل الأموال عبر العملات المشفرة. وفي هذا السياق، تمثل استضافة المغرب لهذه التظاهرة إشارة قوية إلى تنامي الحضور الإفريقي داخل منظومة التعاون الأمني الرقمي الدولي، خاصة وأن المنافسة تستقطب مشاركين من إفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكيتين والشرق الأوسط.
تأتي النسخة الثانية من هذه المنافسة العالمية، بعد النجاح الذي حققته الدورة الأولى التي أقيمت في ماليزيا سنة 2025، حيث تم تطوير صيغة أكثر تعقيدا تحاكي سيناريوهات حقيقية لهجمات إلكترونية متقدمة.
وسيخوض المشاركون، على مدى ثلاثة أيام، تحديات عملية ضمن فرق متخصصة تضم محققين جنائيين وخبراء تحليل رقمي ومتخصصين في الأمن السيبراني، مع التركيز على التحقيق في الهجمات الإلكترونية المعقدة وبرامج الفدية وتعقب الشبكات الإجرامية المرتبطة بغسل الأموال عبر العملات الرقمية. كما تعتمد التظاهرة على مبدأ “التعاون بدل التنافس”، إذ لا يتعلق الأمر بمواجهة بين الدول بقدر ما يشكل فضاء تدريبيا لتبادل الخبرات وتعزيز التنسيق الدولي في مواجهة التهديدات الرقمية المتنامية.
**اتفاقية بودابست في صلب المواجهة
ويرتكز جزء أساسي من التحديات المطروحة خلال هذه النسخة على آليات التعاون المنصوص عليها ضمن ‘اتفاقية بودابست حول الجريمة السيبرانية وبروتوكولها الإضافي الثاني’، باعتبارها الإطار القانوني الدولي الأبرز لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
وفي هذا السياق، أكد فيرجيل سبيريدون (رئيس مكتب برامج مكافحة الجريمة الإلكترونية بمجلس أوروبا) أن التطور المتسارع للجريمة السيبرانية يفرض على الدول تطوير قدراتها العملياتية بشكل مستمر، خاصة مع اعتماد الشبكات الإجرامية على الاتصالات المشفرة والعملات الافتراضية ونماذج “الجريمة كخدمة” لتنفيذ هجمات معقدة تستهدف البنيات التحتية الحيوية.
وأوضح أن التمارين التطبيقية التي تتضمنها المنافسة تهدف إلى إعداد السلطات الأمنية والقضائية للتعامل مع حالات تتطلب تنسيقا عابرا للحدود واستجابة سريعة في بيئات رقمية شديدة التعقيد.
**المغرب يعزز موقعه كشريك أمني دولي
من جانبه، اعتبر محمد الدخيسي، مدير الشرطة القضائية بالمديرية العامة للأمن الوطني ونائب رئيس الإنتربول عن إفريقيا، أن تنظيم هذا الحدث ينسجم مع الاستراتيجية المغربية الرامية إلى تعزيز أمن الأنظمة المعلوماتية وحماية السيادة الرقمية للمملكة.
وأشار إلى أن المغرب اعتمد خلال السنوات الأخيرة مقاربة متكاملة تقوم على تحديث القدرات التقنية للأجهزة الأمنية، وتطوير الترسانة القانونية، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يتماشى مع الالتزامات المرتبطة باتفاقية بودابست وبروتوكولاتها الإضافية.
وتعكس هذه التظاهرة أيضا التحول التدريجي الذي يشهده المغرب نحو لعب أدوار إقليمية أكبر في مجالات التكنولوجيا والأمن الرقمي، خصوصا مع تصاعد التهديدات السيبرانية التي باتت تستهدف المؤسسات المالية والبنيات التحتية الحيوية والقطاعات الحكومية حول العالم.
وبينما تتجه العديد من الدول إلى اعتبار الأمن السيبراني جزءا من أمنها القومي، يبدو أن احتضان مراكش لهذا الحدث العالمي يكرس صورة المغرب كمنصة إفريقية صاعدة للتعاون الدولي في المجال الرقمي، وكفاعل يسعى إلى التموضع داخل خارطة الأمن السيبراني العالمي المتغير بسرعة.