الرواية الناجية من الرماد: «الأنشوطة الباريسية» التي التفت حول رقبة المديني وصحبه
ارتبط الكاتب والروائي المغربي أحمد المديني بمدينة باريس الفرنسية بعلاقة عشق وشغف عميقين امتدّت لأكثر من أربعة عقود ونصف، عاش خلالها في فضائها طالبا ومقيما ومبدعا، حتى غدت المدينة في تجربته أكثر من مجرد جغرافيا؛ تحولت إلى مرآة للذات وسيرة موازية لتفاصيل حياته وتحولاته الفكرية والوجدانية.
في باريس، لم يكن المديني عابرا في المكان، بل كاتبا حالاًّ في روح المدينة، يصغي إلى نبض شوارعها ومقاهيها وضفافها، ويعيد اكتشاف ذاته عبرها، لتصبح باريس جزءا أصيلا من مشروعه الإبداعي والإنساني.وتتجلى هذه العلاقة الحميمة بوضوح في مشروعه الأدبي المعروف بـ»الثلاثية الباريسية»، التي دوّن فيها يومياته وتأملاته وتجربته العميقة مع المدينة، وتضم ثلاثة أعمال أساسية:
*»نصيبي من باريس» (2014): يستعيد فيه سنواته الأولى في المدينة، راصداً تفاصيل العيش والتحولات الثقافية والإنسانية، بعين كاتب يندمج في زمن باريس وأسئلتها.
*»فِتَنُ كاتب عربي في باريس» (2019): يقتفي فيه غواية المدينة ومباهجها وفتنتها الثقافية والوجودية، من منظور المثقف العربي المقيم بين دهشة الاكتشاف وقلق الانتماء.
*»باريس أبداً.. يوميات الضفة اليسرى»(2022): وواصل فيها تدوين يومياته في الفضاء الثقافي الأشهر للعاصمة الفرنسية، مستحضرا أثر المثقفين والمقاهي والكتب، ومؤكداً استمرار شغفه بمدينة لا تكف عن إلهامه.
اليوم، يعود الروائي المغربي أحمد المديني إلى معشوقته باريس وقد لفت أنشوطتها الناعمة على أعناق كتاب وفنانين وسياسيين، مغاربة وعربا، آسرة إياهم في شباكها وغوايتها. يعود برواية «الأنشوطة الباريسية» التي تمثل فصلا جديدا من افتتانه بالعاصمة الفرنسية، وهي امتداد لمشروعه الأدبي في استقراء أسرار هذه المدينة وربطها بالذات والذاكرة العربية والمغربية، وهي الرواية الصادرة عن المركز الثقافي للكتاب.
يسلط المديني في هذه الرواية، التي استهلت بإهداء خاص إلى : محمد باهي ومحمد آيت قدور، فرانسوا ميتران وعبد الرحمن منيف)، الضوء على تجارب المغاربة والعرب في الغربة والمنفى، وتحديدا بباريس، ويستحضر أسماء أدبية عربية ومغربية كلاسيكية ومعاصرة ارتبطت بتجربة الغربة بباريس أو عبرت منها (مثل طه حسين، رفاعة الطهطاوي، ومحمود درويش، عبد الرحمن منيف، صنع الله ابراهيم) ومغاربة ( محمد ايت قدور، محمد باهي) في «الأنشوطة الباريسية»، حيث يعيد أحمد المديني بناء الذاكرة الجماعية لجيله من خلال هاتين الشخصيتين. فمحمد باهي يمثل الوعي التاريخي والسياسي، ويشكل رمزا لجيل الأحلام الكبرى، والمثقف الذي يجمع بين الصحراء والمدينة، والسياسة والأدب، حيث يستحضر المديني جلساته ونقاشاته لتوثيق التحولات السياسية والفكرية للمهاجرين والمثقفين العرب في العاصمة الفرنسية، بينما محمد شكري يمثل الوعي الوجودي والتحرر الأدبي الصارخ، ليتشابك الاثنان داخل «الأنشوطة» كعلامات مضيئة في مسار المغاربة في الخارج. ويتناول المديني قضايا الهوية المزدوجة، الصراع مع التاريخ، والاغتراب، معتمدا على سرد متعدد الأصوات يمزج بين شخصيات متخيلة وأخرى مستمدة من الواقع ، مجبولة بهموم مغربية وعربية.
الرواية التي نجت من القصف..
في ذروة الليل البيروتي المثقل بالدخان، يوم السادس عشر من مارس الماضي (2026)، كانت الضاحية الجنوبية تعيش واحدة من أكثر لحظاتها قسوة. القصف الإسرائيلي كان يهبط كالعاصفة، يقتلع الأبنية من أماكنها، ويترك المدينة معلّقة بين النار والرماد. وفي لحظة خاطفة، انهارت بناية كاملة فوق مستودع الكتب التابع للمركز الثقافي للكتاب، الذي يديره الناشر بسام كردي، لتختفي تحت الأنقاض آلاف العناوين التي كانت تسكن الرفوف كما تسكن الأرواح ذاكرتها.
لم يكن ما ضاع يومها مجرد ورق مطبوع، بل أعمارا كاملة من الكتابة والتأمل والأحلام. كتب جاءت من تعب الكتّاب وسهرهم، تحولت في دقائق إلى غبار أسود، كأن الحرب أرادت أن تُسكت الكلمات نفسها، لا أن تهدم الحجر فقط. كان المشهد أشبه بمقبرة سرية للمعرفة، تُدفن فيها الأفكار بصمت موجع لا يسمعه سوى من يؤمن بأن الكتب ذاكرة البشرية الحقيقية.غير أن القدر ترك نافذة صغيرة للحياة. فقبل أن تمتد النيران إلى المستودع، كانت رواية «الأنشوطة الباريسية: مغاربة وعرب آخرون» للروائي المغربي أحمد المديني قد غادرت المكان في طريقها إلى الشحن، بعدما تقرر إرسال نسخها مباشرة عقب خروجها من المطبعة. وبينما كانت بيروت تغرق في الركام، كانت الرواية تعبر البحر بهدوء، كأنها تنجو من موت محقق وتحمل معها ما تبقى من روح المكان.
وحين وصلت النسخ إلى المغرب، بدت كأنها خرجت لتوّها من قلب الحريق، محاطة برائحة الحبر الجديد وبشيء من رهبة المعجزة. ثم ظهر صاحبها في المعرض الدولي للكتاب ليوقّعها أمام القراء، فبدا المشهد كله وكأنه انتصار خفي للكلمة على الدمار.
هكذا أثبتت الرواية أن الكتب تمتلك دائماً قدرتها الغامضة على النجاة؛ فمهما حاولت الحروب خنقها، تعود لتنهض من الرماد، أكثر إشراقا، وأكثر تمسكاً بالحياة.
عن ظروف كتابة الرواية، يقول أحمد المديني:
«تهربت طويلا من كتابة هذه الرواية. اعتذرت مرات لبطلها المفرد، والمتعدد، أراد – أرادوا، توريطي في تاريخ نفضت يدي منه، وزمن سياسي اجتماعي، وجداني، سلخت أزيد من نصف قرن أسرده، أنطقه، وأصور معضلاته، ومصائره، وطريقه المأزوم. وفي رواياتي الثلاث الأخيرة «رجال الدار البيضاء – مرس السلطان» و»درب الحاجب 36» و»لعبة الكراسي» اعتبرتني بلغت فيها مرادي غرضا ومعنى وفنا، وشايعني القراء بالإقبال والاحتفاء. لكن منير سرحان، محمد باهي، وآيت قدور، وزمرة مشارقة وفرنسيين، أمسكوا بتلابيب قلمي لأروي قصتهم المثيرة، توزعت مساراتهم بين مغرب / مشرق، والغرب، عقدتنا، حال عرب كثير منذ نهاية القرن 19 إلى اليوم. ضاقت بهم ديارهم، وأجهضت أحلامهم بعد طول كفاح ومكابدة، ولم تسعفهم ثقافتهم، وتصارعت رغباتهم، فازدوجت هويتهم إقامة وهجرة ومنفى، بإرادات أقوى منهم، خاضوا حياة بقدرهم، حينا، وعنادهم، حينا آخر. حيوات مركبة، ومغتربة، تعيشها بحرارة شخصيات هذه الرواية، متخيلة، وأعلام واقعية، وبين- بين. مجبولة من هموم مغربية وعربية نضالية وذاتية، في زمن لهيب، وحاضر نديب. مغاربة وعرب آخرون، التفت بأعناقهم الأنشوطة الباريسية، الحقيقية والرمزية، كما التفت من قبل بأبطال الطيب صالح، بهاء طاهر، محمد خير الدين، وصاغها عبد الله العروي أطروحة وسردا، وأبطالي، أيضا، في بحث عن انعتاق مستحيل، الذات بالرواية آخر ملاذ. هنا أضع زبدة روائية مديدة وممتحنة، وفي كل نص تراود التحديث، وتراهن على الأدب تعبيرا وانتماء، ولتحقيق إنسانية الكائن كاملة ورفيعة.»












