الملحق الثقافي

«حارث الغمام» يكمل «وجه الجنرال» ؟ .. حين تتحول «الجثة» إلى جرح سياسي وثقافي وأخلاقي

 

تنقلنا رواية «من يكمل وجه الجنرال» للروائي عبد الكريم الجويطي من حدود التمثيل الحكائي نحو أفق رمزي شديد الاتساع، تترجمه «الحوارية/ الشهادة» التي تجمع الجنرال (ذا النظارات السوداء والأنف المعقوف والوجنتين الحادتين) بـ»حارث الغمام» (أو رجل الجب)، لأن القارئ يعثر داخل هذا الأفق على طبقات متراكبة من الإحالات التاريخية والنفسية والفلسفية، ويرى من خلاله صورة المغرب وهو يجر ذاكرته الثقيلة عبر دهاليز الدم.
في هذه الشهادة (تذكرنا بجلسات الاستماع المتلفزة) التي يسردها «رجل الجب» على السارد (زياد السمعلي، كما في الجزء الأول من رباعية «ثورة الأيام الأربعة»)، يحضر الجنرال بوصفه كيانا يتغذى من فكرة السيطرة الكاملة على اللغة والضمير. ذلك أن الكلام الذي يوجهه حصرا إلى «المحتجز في الحفرة» يحمل نبرة اعتراف يتكئ على لذة غامضة مصدرها الإحساس بالهيمنة على المصائر. ذلك أن «الاعترافات» تكشف «سردية الجنرال» الذي يخفي هشاشته خلف ملامح قاسية القلب. لهذا يظهر الجنرال في كثير من المقاطع كأنه يتحدث من داخل قبر مفتوح، أو من داخل ذاكرة جماعية لا تزال تحتفظ برائحة الرصاص والاختفاء والصراخ المكتوم.
أما حارث الغمام، الذي لا يرضى بخدمة أهداف القهر السياسي، فتقدمه لنا الرواية بوصفه «شخصية بروميثيوسية» تحمل كثافة فكرية لا تركن إلى الرثاء أو القبول بالأعمال الجائرة. بل إن الاسم نفسه [حارث الغمام] يفتح أبواب التأويل منذ اللحظة الأولى (كيف لا تصدم وأنت ترى إنسانا غارقا في القذارة والظلام، مدفونا في الجب، تصدر منه رائحة قد تدفع خنزيرا أو ضبعا للهرب، رجلا في الظلام، وحين تسأله عن جهنم الصغيرة التي تراها تحت رجليك، يجيب بأنه يسبح في السماء/ص: 237). ومن ثم، فالحارث يرتبط بفعل الزرع، بينما يحمل الغمام إيحاءات الالتباس، مما يمنح تركيب الكلمتين (حارث/ الغمام)، في بنية واحدة، طابعا شبحيا يحيل إلى شخصية «الثورة هي ترفها الوحيد»، إذ لا تكتفي بمحنة واحدة، وإنما تستدعي محنا أخرى، تهرع إليها دون توقف طمعا في تحقيق مكاسب، حتى لو أنها شديدة الاطلاع على وضعها المهزوم.
تكشف لنا «الحوارية»، من خلال سرديات موازية وإيماءات وصفية، أن عبد الكريم الجويطي يوجه نظره الثاقب باحتراز كبير إلى قضية المهدي بنبركة، خاصة حين تتكثف الإشارات المرتبطة بالاختفاء والجثة الغامضة وآثار التعذيب والحكايات المتعددة التي تتناسل حول المصير المجهول. يقول الجنرال موجها كلامه إلى حارث الغمام: «أنت جثتي الثمينة، لكنك جثتهم الذهبية أيضا. لا تصدق ذلك الكلام الكبير الجاري الآن في المقرات، ولو أنه لا يصلك، لكنك تحدسه: بيننا والنظام جثة فلان. ولا تؤولها تأويلا خاطئا. المقصود هو أن جثتك جسر بيننا وبينهم. بفضل جثتك نسير إليهم ويأتون إلينا. جثتك جسر، وممر، وممشى. كانوا مشغولين بنا، لينشغلوا الآن بمصير جثة. ليغرقوا في الحكايات المتضاربة حولها..» (ص: 285). في هذا المستوى، ينتقل الإذلال من مستوى الجسد الفردي إلى مستوى الفرجة الجماعية، إذ تفقد الجثة هنا معناها الجنائزي التقليدي، لتتحول إلى مادة احتفالية داخل جهاز السلطة، مما يسمح بالقول إن الجويطي يدفع المخيلة السياسية إلى أقصى حدودها السوداء: رجل جرى تحويله إلى «جثة» وهو ما زال حيا [على الأقل في ذاكرة الناس].

المزاج السلطوي [الأهريماني] للجنرال أوفقير

تأسيسا على هذا، يتضح أن الرواية تشتغل على التاريخ بوصفه مادة تخييلية، إذ تتعامل مع الوقائع الكبرى (اختطاف بنبركة) عبر لغة رمزية تتجنب المباشرة التسجيلية. ومن ثم، يبدو الجنرال قريبا من صورة أوفقير من جهة المزاج السلطوي [الأهريماني] والهوس بإدارة الخوف وصناعة الأسطورة السوداء، خاصة حين يتحدث عن ضرورة تحويل «الجثة» إلى لغز دائم، وعن أهمية نشر الحكايات المتعددة حول الضحية، وعن القيمة النفسية التي تمنحها الإشاعة بوصفها جهازا تضليليا تمسك بأزراره السلطة الطاغية. فالجثة هنا تفقد بعدها الواقعي المباشر، لتتحول إلى علامة سياسية، مما يمنح الجسد المختفي وظيفة رمزية هائلة، كما تمنح النظام قدرة على التحكم في المخيلة العامة بإدارة الرموز لأنها هي التي تتغلغل في العقول أكثر من قوة السلاح. ومن ثم، فإن «الاعترافات الصدامية» للجنرال تحمل وعيا حادا بوظيفة الخوف داخل المجال السياسي، إذ تؤكد أساسا أن الإنسان المرتعب يفقد توازنه الداخلي، ويصير قابلا للتوجيه والانقياد. لهذا يركز الجنرال على الجانب المسرحي للعنف، وعلى قيمة الإشاعة، وعلى أثر الجثة الغامضة في النفوس.
تجمع «الحوارية» بين شخصيتين تاريخيتين أسالتا مدادا كثيرا، مما يمنح الرواية طابعا دراميا مكثفا. فكل صوت يحمل رؤيته للعالم، ويحاول فرض منطقه الخاص. فالجنرال يتحدث من موقع القوة واليقين، و»حارث الغمام» يتحرك داخل مساحة أخلاقية وفكرية أكثر عمقا، مما يجعل القارئ يشعر بأن المواجهة تتجاوز شخصيتين نحو صراع رمزي يخص معنى الوطن ذاته. ذلك أن السلطة، في بعدها السياسي والعسكري (في سبعينات القرن الماضي) كانت تسعى إلى تشكيل الذاكرة وفق تصورها الخاص، والمثقف (المناضل اليساري) كان يحاول حماية المعنى من التشويه والانهيار. وهذا ما تركز عليه «حوارية الأنداد» التي يتكثف فيها صراع وجهات النظر. ومن ثم، تؤدي لغة الرواية دورا مركزيا في بناء المسافات الفاصلة بين السرديتين، إذ يعتمد الجويطي جملا طويلة متدفقة، مما يحقن الحوارية بإيقاع قريب من الاعترافات السوداء. ذلك الكلمات تحمل حرارة نفسية واضحة، وتكشف عن شخصيات أنهكها الاحتكاك بالعنف والسلطة والخيبة. فالجنرال كأنه يراجع تاريخه الشخصي عبر تقنية الاعتراف. ومن ثم، فهو يكشف بصراحة عارية تفاصيل شهيته للقوة، مما يمنح القارئ فرصة للتوغل داخل عقل سلطوي معقد.
وتكمن القوة الفنية، في «اعترافات الجنرال»، في لغته الهادئة نسبيا؛ ذلك أنه يتحدث بنبرة أقرب إلى الأبوة أو التلقين التربوي، وهذا ما يمنح الكلام رعبه الحقيقي، لأن القسوة في هذا المستوى يكشف عنها التهجين بين اللغة الإدارية واللغة الشيطانية، مما يسمح بالنفاذ إلى البنية النفسية للأنظمة القمعية.
في السياق نفسه، يؤدي «حارث الغمام» داخل الرواية وظيفة أخلاقية وجمالية في الآن نفسه. ذلك أن حضور إخراجه من «الحفرة» [النسيان/ الاختفاء القسري] على يد الثوار يفتح أفقا للتأمل في مصير المثقف/ المناضل داخل الأنظمة الاستبدادية. فالكاتب يمنحه حضورا شبحيا قائم على «الأسطرة»، إذ كلما تحدث الجنرال عنه بدا كأنه يواجه طيفا يرفض المغادرة، مما يمنح الرواية توترا داخليا قويا، لأن السلطة تبدو عاجزة عن الانتصار الكامل على خصومها الرمزيين، حتى لو كان الأمر يتعلق بـ»جثة»، وخاصة إذا تحول «الجسد» (المختفي) إلى جرح سياسي وثقافي وأخلاقي، كما تحتفظ به الذاكرة السياسية المغربية. ومن هنا، تستثمر الرواية هذا العمق الرمزي بطريقة ذكية، وتعيد صياغته داخل بنية تخييلية تمنح الحدث بعدا إنسانيا وفلسفيا أوسع. بيد أن المثير في هذه «الاعترافات» هو أن الجنرال يدرك على نحو مغطى بغير قليل من التجرد الأخلاقي القيمة الرمزية لخصمه. والدال على ذلك حديثه الذي يحمل نوعا من الإعجاب غير المصرح به بحارث الغمام. كما أنه من اللافت للانتباه أن الرواية تمنح للصمت قيمة كبرى، خاصة حينما تتكلم الضحية، مما يجعل المعاني تتشكل عبر الفراغات والإشارات والاعترافات الناقصة.

الجثة رسالة
سياسية متحركة

من أشد المقاطع إفراطا في استعراض القوة، اللحظة التي تم فيها تقييد «رجل الحفرة» وإرغامه على الاقتناع بأن بإمكان السلطة القائمة تقويض أي «أسطورة»، وذلك بإشراكه في الاحتفال الوطني [عيد العرش]، مما يجعله جزءا لا يتجزأ من ديكور الطاعة العامة. ومن هنا، فالتصفيق الذي يتناهى إلى سمعه من تحت الأقدام يكتسب معنى بالغ الوحشية [السحق الرمزي]، لأن الجماهير تصفق بينما تمر «الجثة» قربها، كأن الوعي الجمعي فقد قدرته على التمييز بين الفعل والأثر. فالناس يشاهدون الرجل الجثة، يمر أمامهم في المدن والساحات، دون أن يلتفتوا إليه، مما يجعل المشهد يتحول مع الزمن إلى عرض اعتيادي فاقد للصدمة. كما أن الجنرال يتصرف كمخرج مسرحي يبتكر صورا صادمة من أجل إعادة هندسة المخيلة الجماعية. ومن ثم، تتحول الجثة إلى رسالة سياسية متحركة، والشارع يتحول إلى خشبة عرض ضخمة، والجماهير تؤدي دور الكومبارس داخل هذا المشهد الكابوسي. بل حتى السيارة المصفحة تحمل قيمة رمزية دقيقة؛ فهي تجمع الحماية والعزل والاستعراض في آن واحد، وتجعل الجثة محاطة بهالة سلطوية باردة، كأن الدولة تعرض قدرتها المطلقة على التحكم في الحياة والموت والذاكرة. ولهذا يمكن القول إن الجثة، في قيدها/موتها، تتحول إلى مرآة تعكس انكسار الجماعة كلها، كما تعكس حقيقة بلد لا قدرة له على حماية رموزه ومعانيه الكبرى.
إضافة إلى ذلك، تحضر بالاسم شخصية الشتوكي [الذي كان ضمن فريق تنفيذ اختطاف المهدي بنبركة]، مما يسمح بالقول إن الجويطي منح، أيضا، صوتا لكائن يقف في المنطقة الرمادية بين بين الموظف والوحش، حسب السردية العامة التي رددتها الكثير من الكتابات الفرنسية والمغربية. ومن اللافت، من الجملة التي يقول فيها: «أنا موظف عند الدولة، وهي تعلم شؤون مواطنيها» تحمل برودة بيروقراطية قاتلة. فالرعب يتحول إلى مهمة إدارية. كما أن الرجل ينفذ، يداوي، يخيط، يطهر الجروح، ثم يعود إلى بيته. ومن ثم، تظهر السلطة داخل هذا النص بوصفها جهازا قادرا على توزيع الأدوار الأخلاقية بطريقة تجعل الجميع يشعر بأنه يؤدي عملا عاديا.
ومن المثير للاهتمام كذلك، أن الممرض/الجزار يمتلك وعيا حادا بسقوطه الأخلاقي.، لأنه يدرك أنه يحمل «لطخة سوداء» في مساره المهني، ويعرف أن ما يحدث داخل المعتقلات السرية يشوه الروح البشرية، مما يمنح النص قوة استثنائية؛ فهو يحمل قلقا دائما لا سبيل إلى الخلاص منه إلا بالاختباء وراء الشرب. يقول إنه يسمع صراخ السجناء طوال الليل، وإنه يشرب حتى يصير دمه نبيذا. لا سبيل إلى الهروب لأنه ينتمي إلى «القلة الفعالة». وهنا تتجلى البنية الحديثة للعنف السياسي، مما يجعل التعذيب «مهارة مهنية» لا مكان فيها للانفعال.
تكشف «الحوارية السردية»، التي أقام عليها الجويطي روايته، عن تصورات السلطة في الأنظمة القمعية للحكم، وعن إفسادها للجميع: الضحية، والمنفذ، واللغة، والطب، والوظيفة، والليل، وحتى الإحساس البسيط بالحياة اليومية. ذلك أن كل شيء يدخل إلى آلة العنف يخرج مشوها. فهل معنى ذلك أن الجلادين (الجنرال، الحارس، الممرض، جنود الثكنة..) يبحثون، في قرارة أنفسهم، عن غفران مستحيل، وأنهم يشعرون بأنهم عالقون داخل «زواج كاثوليكي» مع الأسرار، أي داخل ارتباط أبدي بالعنف والدم والخوف؟