الملحق الثقافي

الكتابة.. تطريزا بالإبرة والقلم قراءة في «خياط الهيئات» للمبدع أنيس الرافعي

كما يكون لبعض الأمكنة تضاريسُها وأنفاقُها ومسالكُها الوعرةُ ومتاهاتها التي تحتاج في كثير من الأحيان إلى أضواء تنير عتْمتها، أو إلى علامات تُرشد خطوَ السائر فيها، فإن لبعض النصوص الإبداعية أيضا دهاليزَها وممراتِها وأروقتَها المتداخلة التي تحتاج من المتلقي أكبرَ قدر من الصبر واليقظة، ومن الاستنارة الفكرية والاستعداد الذهني لاستكشاف المستغلق والغامض بين ثناياها، تعبيرا وتصويرا وتخييلا.
إنه الانطباع الأولي الذي يتولد، بلا شك، لدى القارئ وهو يُقبل على – أو ينتهي من – قراءة التحريات القصصية التي صاغها المبدع أنيس الرافعي واختار لها عنوان (خياط الهيئات). وإذ نبدأ في محاورة هذا العمل الإبداعي بإثبات هذا الانطباع، فليس من باب التهيُّب المُحبِط من العمل، بل من منطلق التوكيد على أننا حقيقة بصدد عمل له من المقومات الفنية الاستثنائية ما يجعل منه تجربة متفردة وظاهرة إبداعية مميزة في مشهد الكتابة القصصية المغربية والعربية الراهنة. إنها تجربة بقدر ما فيها من مغامرة في صياغة متنها السردي، مبنىً ومعنىً، بقدر ما تكشف عن قدر كبير من التحكم في أدوات الكتابة حدَّ الإدهاش المُتعِب والمُمتِع في الآن نفسه، وذلك في استثمار ذكي ومتوازن لموروثات النثر العربي القديم وأساليبه من جهة، وانفتاح محسوب الخطوات، على التقنيات التعبيرية المعاصرة من جهة أخرى، ومن هنا بالذات تفردُ هذا العمل وخصوصيتُه الفنية.

1 – الكتابة بإبرة الخياط

في «خياط الهيئات» لا يكتفي الكاتب – أو لا يريد أن يكتفي – بفعل الكتابة بمنطق قوالبها الجاهزة، بل هو يحمل المسؤولية للسارد ليحور فعل الكتابة إلى سلسلة تحريات مضادة لكل ما هو مألوف، وذلك عبر بناء هندسي أخضعه الكاتب لمعمار رباعي الأركان تتوالد مشتقاته الحكائية من رحم أربع نسائل تتحكم في تطريز حواشي ثوب الحكاية المركزية، وهو بناء يستند في دلالاته الرمزية الموجِّهة إلى أربع أيقونات ماندالا تتوزع في جغرافيتها بين أمريكا اللاتينية وأوربا وإفريقيا، فضلا عن الأيقونة البوذية.
عبر هذا البناء المتشعب يواجهنا نمطٌ من الكتابة يتمرد ضد الجاهز والمبسط في الفهم والاستيعاب، بدءا من العنوان الفرعي للكتاب الذي «يخبرنا» أن العمل عبارة عن «تحريات مضادةٌ في ظواهر رهاب الكونيات»(!)، وهي دعوة مبطنة إلى ضرورة الاستعداد منذ البداية، ليس لتكسير أفق انتظار المتلقي فحسب، بل وإلى إلغاء ذلك الأفق كلية، والبحث مع الكاتب نفسه، عبر متاهات النص / النصوص، عن صيغة تداولية بديلة ومغايرة في القراءة والفهم والتأويل لتشييد أفقٍ ينسجم وهوية هذا العمل التي تبدو أنها هوية زئبقية – بالمعنى الإيجابي والإبداعي للكلمة – أي بما يعني أنها كتابة تتمرد على التجنيس الجاهز والمحايد. وهو ما سمح للكاتب بإلغاء الحواجز بين أجناس التعبير والكتابة، فاستثمر قصاصات الجرائد ومعطيات السينما، ومزج بين شخصيات متخيلة وأخرى حقيقية [عبد الواحد بولعيش – سائق مغربي (ص46)، عبد المومن العشيري (فيلسوف الليل) – ص 50 ] . كما نسجل الحضور البصري اللافت لمجموعة من الصور (صورة فندق ريتز بطنجة (ص42) – صورة مطعم الخبز الحافي (ص44) – لوحة محمد شكري بمدخل فندق ريتز. (ص48) – صورة محمد شكري ببغائه الميكانيكي (ص55) – صورة بول بولز (ص58)…فضلا عن حضور أسماء من ثقافات مختلفة: مايكل أنجلو (ص40)، إسحاق عظيموف (ص41).. إلخ
إن الكتابة في هذا العمل تتعمد استفزاز المتلقي، فتتجرأ على الإعلان عن نفسها باعتبارها «خياطة الهيئات والأخيلة المؤازرة بالأوهام في حوانيت الحكايات.»(ص 146). كتابة لا تقول للمتلقي متسرعة: هيت لك، بل إنها تتمنع مُغَلِّقَةً أبواب الفهم السطحي. تكتفي بدءا بالإغراء المناور. تراودُ القارئ، تُخَالسُه النظرَ، تدعوه لوليمة اللغة وتبعده في الآن نفسه. إننا لسنا بصدد نص يقدم نفسه عبر تركيب لغوي صممه، شكلا وتعبيرا، الكاتبُ بالمعنى المتداول، بل نحن أمام ثوب حكائي نسجه خياطٌ يتلاعبُ بأقمشة الحكي مميزا بين حريرها وقطنها، خياط يتقن أخذ مقاسات اللغة لتناسب بدقة متناهية جسوم الوضعيات السردية، الواقعي منها أو المتخيل. ولذلك فالشكل في هذه الكتابة / الخياطة ليس مجرد وعاء تُسكب فيه المضامين من الخارج، بل هو الداخل نفسه حيث تتنامى المتواليات السردية على شكل تعاريج ثوبٍ يتمدد وينكمش بفعل خبرة الخياط. ومن هنا لم يكن غريبا أن نقف على حضور مميز لألفاظ تنتمي للحقل المعجمي المرتبط بعالم الخياطة، وهي كثيرة نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر: الدباسة، الكشتبان، الثوب، التفصيل، التقطيع، رتوق، الإبرة، يرفو، الدبابيس، بكرة الخيط، الأقمشة، الغرز، التصييع، الأهذاب، طيات، ثنيات، التطريز، الحواشي، المقصات، التعشيق، المطمار، القياسات، فتوق، كبة الخيوط، الكتان… إلخ.

2 – نسج ثوب الحكاية
بخيوط التجريب

الكتابة في هذا النص تنتمي من حيث جغرافيةُ هويتِها إلى «ولاية التجريب»، والكاتب في هذا التجريب لا يقدم لنا لغة جاهزة يطمئن إليها سلفا، بل إنه وهو يكتب، يكتشف ويبني في الآن نفسه لغته الخاصة. بخيوط الدهشة ينسج سدى النص ويصيغ لحمته، مستمدا مدادَ الكتابة من محبرة اللامتوقع، تركيبا وتصورا، ومتمردا ضد قواعد الخياطة ذاتها، وهو التمرد الذي يجعل من الخياطة فعلا لا يتحقق وجودا إلا باستبعاد ما ليس قابلا للخياطة أصلا. وهنا المفارقة!. وكأننا في تأسيس فهم هذه العلاقة الشرطية نستحضر – في استطراد جانبي – تصورَ هايدجر لمفهوم الوجود، في تمييزه بين الوجود الزائف والوجود الأصيل، بما يعنيه الأول من غرق الأفراد في لج «الروتين» اليومي السهل الذي يكتفون فيه بالتقليد، دون أي مواجهة حقيقية لذواتهم، والثاني (الأصيل) الذي لا يتحقق إلا عندما يدرك الإنسان حقيقته عبر تحمل مسؤولية اختياراته وحريته، وذلك عبر القبول بثنائية الوجود والعدم. ولتقريب المراد من هذا الاستيحاء، يبدو أن الكاتب / الخياط في هذا النص يمارس فعل (وجود) الخياطة عبر الاشتغال على ما ليس قابلا لتحقق ذلك الفعل في أصله (العدم). بين إمكانية واستحالة هذا الفعل تنجلي محنةُ وجود الخياط نفسه، وهو غارق بين تلابيب كون فاسد وداعر تباع فيه القيم والمبادئ في السوق السوداء، كونٍ «انمسخت فيه أحوال النفوس واضطربت فيه أحول الأجرام، فبتَّ ترى مسوخ الأرض تهذي بلسان السماء، وصار الفهم السليم غير المرجوح مثل مطاردة كرة لامرئية في الظلام « (ص16).
في سياق هذا التمرد على القواعد الجاهزة يجترح الكاتبُ لغته الخاصة في الكتابة/ الخياطة، فيكشف النص عن لغة معتقة ومتخثرة، أخذتْ وقتَها الكافيَ في التَخَمُّرِ وفي سبك كلماتها ولحم ألفاظها. عبرها يعيد الكاتبُ تشكيلَ سلسلة المتواليات السردية وصقلَها ببراعة بين مطرقة التخييل وسندان الواقع، لتلتحم في النهاية على صورة حِلْية تعبيرية متجانسة المكونات ومدهشةٌ عوالمُها على صعيد التلقي، مُتَرَجِّحاَ في ذلك بين التلميح الخفي حينا، والإيغال في التقاط الجزئيات حينا آخر، في سياق ما يمكن تسميته ب» بلاغة التفاصيل»، (مثال ذلك الوصف المفصل للغرفة 17 في فندق ريتز بطنجة)، وكأن الكاتب يقوم بنوع من «الأرشفة الإبداعية» لتفاصيل الفضاءات والأمكنة، موجها المتلقي بمجموعة من العناوين باعتبارها دليلا مرجعيا للقراءة.
إنها عوالم وفضاءات تضطرب مكوناتها بين سدرة الحقيقة ومنتهى الخيال، فنكون أمام ولادة موجودات غير موجودة أصلا، ووحدها إبرة الخياط ترقع الفراغات السابحة في اللامتخيل واللاموجود لتختزل المسافات بين أجسام أرضية وَضِيعَة الشأن ومراتبَ علوية رفيعة المقام. وبين الانقطاع والاستئناف، بين حدي التمدد والانكماش، يعرف الخياط دوما كيف يتخلص من بواقي خِرَقِ أقمشة اللغة ليستطرد في تطريز حواشي الحكي بتؤدة واتزان «الحلزون أثناء سيره البطيء على طريق المعنى في اتجاه رحابة التخيلات.»(ص17).
في هذا الحكي المتشعب، عبر وقفات سردية متعاقبة، يجد القارئ نفسه أمام «نبراس في السرائر، لا قوانين معلنة على الملأ» (ص17)، وهذا ما تكشف عنه أحاسيس يد خياط الهيئات. فالخياط نساج الحكايات لا تهمه الأشياء في تمظهراتها الخارجية، بل هو يخاطب فيها جوانيتها. إنه يريدها إشراقية لا مجرد حادثة أدبية عرضية وعابرة، ذلك هو أسُّ إيمانه، وتلك شرعته ومذهبه في النسج/ الكتابة، لذلك فالكاتب يكتفي بمهمة ما يحتاجه خياط الهيئات من مساعدة احتياطية، فيُلبسه لبوس الحيرة، معزولا عن منابع الضوء الساطعة، ومكتفيا في عزلته بما يطعمه به ضوءٌ شاحبٌ من بقايا نور يتراقص بين ضفتي الاشتعال والانطفاء.
الكتابة في «خياط الهيئات» تتحقق إذن من داخل فعل الكتابة ذاته، حيث يُقَوِّي الكاتبُ / الخياطُ لُحمتَها بعنصر التكثيف، بكل إيحاءاته الرمزية: قطرةُ ندى تختزل كل محيطات الكون، ريشةٌ صغيرة من جناح طائر تنوب عن كل أسراب الطيور المهاجرة والمحلقة في كل الاتجاهات، ورقةُ شجرة تذوب في الامتداد المطلق لكل الغابات، دمعةٌ تسيل وتسائل كل فواكه الحزن المثمرة بين شغاف القلب. إنها كتابة هادئة ومنسابة تقايضُ وجدان المتلقي بإغراء الحلول بين صورها العجائبية، وهي في الآن ذاته كتابةٌ جامحةٌ ومتوترةٌ تلتقط تفاصيل الواقع في مختلف تحولاته وتشوهاته، وتكشف عن شحنات دلالية غير متوقعة، عبر تعدد الأقنعة والمواقف التي تفضح تصدعاتِ ذلك الواقع ومفارقاته، وتعري شروخَ المجتمع وتنتقد شقوق الزيف فيها، فتزيح ما هو عرضي وظاهري في قشرة الفضاءات والسلوكات منتصرة للجوهري والأصيل فيها.
والكاتب، وهو يتحكم في أكمام النص عبر حياكة لفظية دقيقة للأحداث، يقوم بمناورة إبداعية في حقل التجريب بكل ما تتفتق عنه مِدَقَّاتُ زَهْراتِه من تُوَيْجاتٍ وبَتَلاتٍ وأريجٍ، فنراه يقلب منطق الأشياء ويحدثنا عن مفارقة الصعود إلى السماء عبر النزول نحو الأرض (ص13)، ويضعنا أمام نتائج تحريات أفضت إلى وجود جثتين لرجل واحد (ص71)، كما نراه في سياق سردي آخر يبهرنا بتلك اللوحة التي يهرب منها حيوانٌ كان مرسوما بها، وبعد بحثٍ مضنٍ عنه في كل أرجاء البيت، يفاجئنا بالعودة في اليوم الموالي إلى موقعه داخل اللوحة، كما يضعنا أمام حالات مثيرة من التحول بالمعنى الكافكاوي: حالة منمنم المخطوطات وهو على حافة الجنون، وحالة اللوحات التي تتغير ملامحُها دون أن ينسى تنبيهنا: «بالتأكيد، إنه جحود اللوحات التي إذا ما غفلت عيناك عنها، غيرت خلسة مناظرها!. إن اللوحات كالبشر الأفاقين المستعرضين تدعي مناظرها الخارجي، فلا تصدقها أبدا.» (ص104). هذا التشكيل المركب من الحالات النفسية، وهي في أوج امتزاجها، يفضي إلى بناء عالم غرائبي تتحطم فيه الحدود بين الأزمنة والأمكنة وتكتسب فيه اللغة طابعا سحريا خاصا.
ولعل أكثر مشهد عجائبي جلاء ونصوعا في متن هذه الحكايات المتناسلة عبر فصول زمنية وفضاءات وأمكنة مختلفة (الدار البيضاء، طنجة، الصويرة، مراكش.. )، تلك الرحلة التي يأخذنا فيها الساردُ لزيارة مرآب، وهو عبارة عن متحف تُعرض فيه هيئات بتشكيلاتها المختلفة والمتنافرة، مع تقسيم ذلك المتحف إلى جناحين، أولهما جناح مظلم يرتاده الزوار بأعينٍ معصوبة وبأفواه مغلقة بشريط لاصق، لا يسمح لهم لا بالكلام ولا برؤية الهيئات المعروضة، والاكتفاء بلمسها فقط، حيث إن أي»نفر منهم إذا ما حاول نزع الشريط اللاصق عن فمه سيختفي فمه من وجهه، أو إذا ما جرب إزالة العصابة عن عينيه سيحتجب ضوء بصره في التو.» (ص28)
أما الجناح الثاني في المرآب فهو غارقٌ في الإنارة الساطعة، ويتضمن صورا فوتوغرافية للهيئات نفسها المعروضة في الجناح الأول، مع اختلاف في قوانين لعبة الزيارة، بحيث يسمح للزوار بالرؤية فقط دون اللمس الذي وإن حصل، فإن مصير اليد اللامسة الاحتراق إلى درجة التفحم! . والمثير في الأمر يتعلق بزوار المتحف أنفسهم: هل هم موجودون حقيقة.. أم أنهم من تهويمات جنون صاحب المرأب؟..
إن هذا التناسل العجائبي للوقائع لا يقف عند هذا الحد، بل يتطور بشكل تراجيدي ليضعنا في قلب ذلك القدر الميتامورفوزي الذي يجعل صاحب المرأب يتحول هو ذاته إلى هيئة معلقة داخل لوحة ومعروضة بين الهيئات الأخرى تنال حظها من غنيمة المس واللمس والرؤية.
إن التجريب كما يمكن فهمه من متن «خياط الهيئات» هو نسفٌ مقصود لذاكرة النماذج النمطية السابقة لها، وشهادة ميلاد جديدة لكتابة متجددة نحو اقصى الاحتمالات في الأشكال الممكنة. التجريب ينطلق من فراغ مفترض ليؤسس حالته الخاصة والمتفردة، وكأنه عملية محو واعية لكل ما تمت صياغته في نماذج كتابية سابقة، واقتحام مجاهيل كتابة «تتشفى من بقايا الوجع» وتتحول عبر مصفاة القراءة، وفي إطار الصراع المستمر بين سلطة اللغة وسلطة الواقع، إلى «تعويذة سحرية» تشفي الكائن والكون معا.