قراءة في رواية «الحفرة» لإدريس الروخ .. كل شيء يحيل على الحفرة: هي البداية والمنتهى
من لا يعرف مدينة مكناس بحفرها المعتمة وأضوائها المخادعة، وطقوسها الليلية المخاتلة التي تختلط فيها الفوضى بالإغراء والجمال بالقبح والرقة بالعنف، والتي تتناقض بشدة مع نهاراتها الراكدة والمُقفرة، سوف يجد لا محالة صعوبة في الغوص في عوالم رواية إدريس الروخ الأخيرة.
غير أني أعرف مكناس حق المعرفة كعملة ذات وجهين : وجه عريق فاتن ووجه معاصر، لن أجرؤ على القول بأنه منفر، بل أكتفي بأن أقول إنه أقل جاذبية. هذا لكوني أرى مكناس بعيون القلب التي لا ترى ولكنها تحس وتحب وتتعلق. أحبها حبا بدون مقابل، لا أعرف متى وكيف تسلل إلى قلبي.
لذا وجدتني متماهيا إلى أبعد مدى، بالمفهوم الأرسطي للتماهي، مع سعاد، بطلة هذه الرواية. شعرت كأنني بطل هذه التراجيديا الإنسانية المتوترة والمضطربة، مسافرا مع سعاد في رحلتها الليلية الاستثنائية، من حي سباتة، الغارق في الهشاشة إلى حي “حمرية” الأسطوري، حيث تلتقي شخصيات متفردة قادمة من أطراف المدينة ومن القرى المجاورة بل وحتى من مدن أخرى. يأتون جميعهم بحثاً عن ليالٍ محمومة، يطاردون فيها متعاً زائلة كطيف دخان.
أحياء مكناس أعرفها، شوارعها عبرتها ولا أزال، مقاهيها ارتدتها. الوجوه والطباع وتلك اللكنة المكناسية الخالصة استأنست بها حتى صارت جزءًا مني. لهذه الأسباب وغيرها أشهد بصدق كل ما حكاه لي إدريس الروخ في روايته. ومن لا يعرف مكناس فهو أمام فرصة فريدة للسفر مع إدريس الروخ، يجول به في زواياها الأكثر قتامة، التي أجد فيها نقط ضوء كثيرة. فالحكم على جمال الأشياء كما يقول إيمانويل كانط “يكتسي دائما طابعا ذاتيا نابعا من شعور الفرد”.
من يصرّ على قراءة رواية مهادنة ومداهنة، ويُبقي في ذهنه صورة مكناس العفيفة والمتحفّظة بتاريخها المجيد، الضاربة في العراقة والتي شيء لها أن تتجمد بشكل غريب كصورة قديمة بالأبيض والأسود بدأت تفقد معالمها، فقد يمانع في قراءة هذا العمل.
لكن إدريس الروخ لا يتلاعب بالكلمات، ولا يداعب الحقيقة في اتجاه الوبر. لا حاجة له لتزيين الأمور ليُعبر عن حُبه لمدينته التي يعرفها أكثر من غيره. صورة إدريس عن مكناس قاسية وبلا هوادة. وفاءاً للمثل القائل “مَنْ يُحِبُّ كثيرا يقسو كثيرا”.
يُسائِلُ إدريس الروخ مدينته بقساوة المُحِب لأنه سافر كثيرا وعاين مدنا تتحول وتتحرك وتنشط في حين شكلت كل عودة لمدينته لحظةً لاكتشاف أن للزمن سرعتين: سرعة مكناس (ومدن أخرى) وسرعة الحواضر الكبرى. كأنه يقول “هل أصابت لعنة ما مدينتي ليتوقف الزمن فيها بهذا الشكل الفظيع؟”
العنوان كبرنامج سردي
كم من مؤلفات أغرتنا عناوينها بالقراءة لنكتشف بعد ذلك أن المؤلِّف قد تحايل علينا. وكم قرأنا من مؤلفات عميقة كُنَّا على وشك أن نضعها فوق الرفوف لتفاهة عناوينها. العنوان، بدون أدنى شك هو العتبة الأولى والباب والمفتاح لولوج عوالم أي عمل فني، لكونه يحمل بالتأكيد “علامات سيميائية ودلالية من شأنها أن تُلَخِّص محتوى المنجز وتفتح أفق الانتظار وتخلق الرغبة في “ارتكاب” فعل القراءة”.
إدريس الروخ كان جازما، بل لعله ذهب أبعد من ذلك ليختار عنوان روايته بطريقة دوغماتية: “الحفرة” بكل حمولات هاته الكلمة الحرفية والمجازية، كأنه يفرض علينا منذ الوهلة الأولى أن نقرأ الرواية من هاته الزاوية. كل شيء يحيل على الحفرة: هي البداية والمنتهى، هي موضوع الرغبة وهي المكان المحظور. قد نتمثلها قبوا، قبرا، سجنا. قد نتمثلها احتفالا أو مأتما، جنة أو جحيما. قد نتمثلها مكانا للخلاص أو مصيدة لا محيد عنها. الحفرة في هذه الرواية تحمل كل هذه المعاني وربما أكثر. وبالتالي فهي البطل الحقيقي للرواية. هي التي تفرض قانونها على سعاد وفهد وسائق سيارة الأجرة وسليمان كشخصيات ذات حضور في السرد بل وحتى على الوجوه التي لا اسم لها، والتي تحضر لمجرد تأثيث الفضاء.
وما دمنا نتحدث عن العنوان كمدخل للرواية، لابأس من أن نعرج، في السياق ذاته، على الغلاف كمادة بصرية لفتح الشهية قبل استقبال وجبة الكتابة. أتى الغلاف على شكل لوحة يظهر فيها وجه شابة معصوبة العينين، بأحمر شفاه ظاهر وندوب تكاد تمحو معالم وجهها، وهي الصورة هي التي سيمنحنا إياها الكاتب، ليس فقط لبطلته سعاد، بل لكل شخوصه على طول أحداث روايته.
كما أن عنوان الرواية مكتوب بأضواء النيون، وهو اختيار مقصود ودرامي بالدرجة الأولى، كأننا عندما نقلب الصفحات سوف ندخل إلى “حفرة السرد” وليس إلى مكان حقيقي. لا غرابة إذن ألا يكون للكاباريه اسم في الرواية. هو الحفرة فقط. ثم ما الفائدة أن يكون له اسم يتلألأ على واجهته مادامت كل الحفر تتشابه في آخر المطاف.
الأب الحاضر الغائب
يبدأ إدريس الروخ روايته على لسان بطلته سعاد بهاته الجملة الدالة “ليس لدي ما أخسره، فليذهب أبي إلى الجحيم”. تظهر سعاد واثقة من نفسها، عازمة على اتخاذ قرار مصيري بالابتعاد عن والدها. سوف “تـطلق لجناحها العنان وتطير لوجهة لا تعلمها” (ص 31) لكن مباشرة بعد مغادرة بيت والدها تُفصِح سعاد عن شخصيتها الهشة وتجد نفسها أمام الخيار الكورنيلي: “العودة إلى الوراء وقبول واقعها أم الاستمرار في الهروب منه”. ليس من قبيل الصدفة أن تكون أول شخصية تقابلها سعاد هو سائق سيارة الأجرة الذي اختار المؤلِّف ألا يعطيه اسما وأن نعرفه خلال مجمل أطوار الرواية باسم سائق الطاكسي.
هاته الشخصية سوف تكون مؤثرة في الأحداث. ويخيل إليَّ أنه يصير أبا لسعاد، يحاول ثنيها عن الذهاب إلى الحفرة وينصحها، كما كان ينصح ابنته المتمردة التي لاقت مصيرها المحتوم عند مدخل نفس المكان. يتماهى سائق الطاكسي إلى حد كبير مع سعاد ويخاطبها كما كان يخاطب ابنته، كأنه بذلك يكفر عن ذنب ما، أو كأنه يحاول أن استرجاع شريط حياته لينقذ ابنته من خلال إنقاذه لسعاد. “لا تدخلي يا ابنتي، هناك خلف الباب، لا مكان للملائكة، فقط شياطين الليل من يحتلون المكان، يعشقون الصراخ والضحك واللعب مع الصغار، لا تقتربي من جهنم، ارجعي إلى بيتك” (ص 59).
لكن سعاد التي سئمت من سلطة الأب والذكور بشكل عام لا تعير اهتماما لصرخة سائق الطاكسيـ بل تختار المضي نحو الحفرة، مصيرها الحتمي. إنها هنا تتمرد على سلطة الأب. ذلك الأب الذي تمنت في أول جملة من الرواية أن يذهب للجحيم.
يقول الكاتب “اغرورقت عيناه بالذكريات، تذكر ابنته عندما كان ينصحها بالابتعاد عما يفسد شبابها ويسقطها في قعر الندم، تذكرها وهي تصرخ في وجهه، تارة باكية وتارة أخرى مهددة بعدم العودة للمنزل، وفي أحيان كثيرة كانت تغير من لهجتها تماما…” (ص 61)
في الحفرة، وهي مكان ذكوري بامتياز كما يصفه الكاتب، تنتظر سعادَ شخصيةٌ ذكورية لا تقل تأثيرا. فهد ذلك الشاب الذهبي الذي اقترح عليها قبل سنوات أن ينتشلها من واقعها المرير، مانحا إياها فرصة للانعتاق. وعد فهد سعاد بأن تصبح نجمة لكن النجوم لا تعيش إلا ليلا. تعهّد بأن يصنع منها مطربة لكنه حولها إلى مجرد مغنية كاباريه تافهة، شخصية سيرك بلا روح، تُكَرِّرُ بشكل سيزيفي، نفس الطقس كل ليلة. بل أكثر من هذا جعل منها دمية يحركها كما يشاء ونزوة يشبعها متى وأنَّى شاء.
تمنت سعاد، من خلال فهد، أن تجد صورة ذكورية مختلفة عن أبيها الجندي السابق المتسلط وزوج خالتها المتحرش “السكير الأصلع ذي الشارب الكثيف والوجه القبيح والبطن المنفوخ، الذي اجتمعت فيه كل عيوب الدنيا” (ص 51)، لكنها تجده أكثر قسوة. حتى مرتادو الحفرة جمعهم المؤلف في وجه واحد يحمل كل صور القبح ويحمل أبشع النعوت “اعتلت المسرح كعادتها، كانت الوجوه سوداء بعيون كبيرة وأفواه مفتوحة كفوهات براكين حلقة النار، لا آذان ولا أنوف، فقط العيون والأفواه المفتوحة إلى الأعلى، تخرج سموما وحمما حارقة…”(ص 67).
وبما أننا نتحدث عن كاباريه أستعير هنا صورة مشكال الألوان “كاليدوسكوب” الذي يختزل في اعتقادي تصوير الكاتب للشخوص كأنها مجرد انعكاسات أو أطياف ألوان في نفس الجسم.
ماذا تبقى لسعاد بعد كل الإحباطات؟ لم يتبق لها سوى سليمان، الفنان الذي همشته الحياة كما همشتها والذي ترى فيه فرصتها الأخيرة للخلاص، كحطام عالق في محيط هائج تتمسك به لبلوغ اليابسة، حين تخلى عنها الجميع، بمن فيهم سائق الطاكسي الذي ضاق ذرعا من تعنتها واختار أن يتركها لمصيرها الحتمي كما ترك ابنته.
رواية بأصوات متعددة
يكتب إدريس الروخ في رواية “الحفرة” بثلاثة أصوات:
الصوت الرئيسي وهو صوت سعاد الذي يشكل زاوية النظر الرئيسية للرواية. أحداث الحكاية الرئيسية، الحاضرة منها أو تلك التي تُحكى بصيغة الماضي من خلال “الفلاش باك” تكون سعاد حاضرة فيها. يركز الكاتب على مفهوم البطل في بعده التراجيدي من خلال التركيز على بعض أبرز خصائصه كـ “القدر الحتمي” حين يكون البطل في صراع ينتهي بالهزيمة أو بالموت ثم الخطأ التراجيدي المتمثل في نقطة الضعف التي تكون سببا في انهياره وأخيرا الوعي بالذات حين يدرك البطل تبعات خطإه، حيث لا مجال للرجوع إلى الوراء.
الصوت الثاني: عبارة عن استطراد لا يكون على لسان سعاد بل يخاطب من خلاله الكاتب مباشرة القارئ، ليعبر عن بعض أفكاره، خصوصا تلك التي يفتح من خلالها النار على كل الذين تعاقبوا على تسيير مدينة مكناس، وساهموا في ما آلت إليه من ترد:
“مدينة أهملها من لا يعرف كيف ينظم شأنها الداخلي، وجعلها قذرة، قذارة سلوكهم النتن، ينفر كل من دخل دهاليزها وتعرف عن فوضى الجشع الذي أصاب سياسييها منذ أن تعاقب عليها كل من رغب في فض بكارتها” (ص 39).
الصوت الثالث: عبارة عن استطراد يكون بدوره على لسان الكاتب، يأتي على شكل أفكار يطرح من خلالها نظرته الخاصة عن الحياة، بشكل يكاد يكون فلسفيا “لا شيء يقتل الإنسان مثل المكان الخطأ، أن تقع في مصيدة وأن تحطك الأقدار في محطة تبعدك عن نفسك وتجعلك مثل طائر الشبنم تعزل نفسك عن العالم وتدور في فلك من يسبح ضد التيار، تسيح ذاتك بالنقمة على كل من حولك وتبقى قابعا تنتظر النهايات” (ص 79).
وسواء تعلق الأمر بالاستطراد الأول أو الثاني، اللذين يخلقان متنفسا يخرجنا لوهلة من ضغط حكاية سعاد، فكلاهما يحيل بشكل أو بآخر على الخط الرئيسي للحكاية. فعندما يصف إدريس/الكاتب مكناس المكلومة ، فإنه يحيل على كل شخوص الرواية التي ترزح تحت ضغط الإهمال والتهميش، وحين يطرح تساؤلاته الوجودية فإنه يربطها بشخصيات روايته. “لا أحد من الحاضرين انتبه لحزنها ولا لوجودها بعد أن انتهت من وصلتها الغنائية، هي فعلا في مكان غير مكانها…” (ص 79). أليس لهاته الجملة عن المكان الخطأ صدى في الجملة التي سبقتها؟ أليس في سعاد شيء من طائر الشبنم، ذلك الطائر المزهو بألوانه كالطاووس ولكنه لا يملك القدرة على الطيران؟
حضور السينما
داخل رواية “الحفرة” إحالات عدة تارة على التشكيل وتارة على الموسيقى، وتارة أخرى على الفلسفة أو المسرح. لكنني هنا سوف أقتصر على حضور السينما في الرواية سواءً على مستوى الإحالات أو على مستوى الوصف وحتى على مستوى الشكل. بالنسبة للإحالات نسرد هذا المثال الذي يبدو كأنه مشهد من فيلم “لادولشي فيتا” لفيديريكو فيليني: “طلبت من السائق أن يتوقف بالقرب من سينما كاميرا التي امتلأت عن آخرها… خرجت من السيارة، اغمضت عينيها للحظة، المطر اخترقها فورا، تسرب إلى جسدها، إلى جلدها، لم تتحرك، لم ترفع يديها لتحتمي… فرأت رجلا يعبر الشارع، يسير تحت المطر كأنه جزء منه… تقدمت نحوه بسرعة، نادته “سليمان” (ص 146). ألا يشبه هذا المشهد إلى حد التماهي ذلك المشهد الأنطولوجي لمارسيلو ماستروياني وأنيتا أيكبرك حين تناديه وهي تحت النافورة “مارسيلو… تعال إلى هنا…”
على مستوى الوصف يصف الكاتب في صفحة كاملة نادلا وهو يملأ كأس ويسكي في لقطة تتسيد فيها الصورة المشهد قبل الكلمات، هذا جزء منه “جلب النادل كأسا مملوءة بقطع ثلج ثم رفع زجاجة (جاك دانييل) الداكنة، وأمالها ببطء فوق الكأس البلوري، انسكب الويسكي بلون العسل المعتق، خطا نحاسيا رقيقا، واصطدم بسطح مكعبات الثلج التي تمايلت في شرود، كأنها تستيقظ على وقع السائل الدافئ…” (ص97).
أخيرا على مستوى الشكل اختار الكاتب وحدة الزمان لجعل الحكي أكثر كثافة وتماسكا. فالقصة تدور من الثانية عشر ليلا إلى الفجر. كما اختار وحدة المكان وهو الحفرة، وهما الاختياران اللذان يجعلان الرواية أقرب للتكييف إلى السينما.
أنها ، أقصد الرواية، تشتغل على مبدأ التقطيع والانتقالات في المشاهد بشكل يشبه إلى حد كبير الكتابة الفيلمية.
رواية الحفرة عالم به من العنف والرقة والجمال والقبح ما يغري بالقراءة. الحفر تتشابه لكن حفرة إدريس الروخ عالم قائم الذات. يقال عن الحفر إنها عالم مجهول، الداخل إليه مولود والخارج منه مفقود. ولعل قارئ هذه الرواية يدخل لحفرة إدريس الروخ مفقودا ليولد من جديد.












