الملحق الثقافي

قصة قصيرة :دوستي وعَلَّام البغال

 

 

 

تذكر جمهور “السعادة” بالحي قصة “دوستي” الحزينة، تلك التحفة العالمية في خزانة السينما، لكنها في نسختها المغربية صارت مدعاة للغضب والسخرية، مدرسة لتعليم أساليب النصب الخبيث، تفاصيلها مسروقة من عوالم ألف ليلة وليلة، حيث الخليفة يتفقد أحوال الرعية ليلا، و”دوستي” المغربي ينصب عليها بمَكْرٍ نهارا، يمارس أفعاله الثعلبية رفقة أقنعة كريهة أساءت لقداسة القصة وأخبار شاعت في أرجاء المعمور.. يحكي فيها الكاتب مُغرَّبات من عجائب “دوستي” الخرافي وغزواته البليدة في حارات درب شعبي لا ينام.
مع ضوء الفجر الفضي، خرج زاحفا نحو رحبة الأكباش الآدمية، طالبا الرزق الحرام، هذا الصباح كانت صدمته قوية، على بياض حائط معطر ببول السكارى وعابري السبيل، قرأ رسالة ذات إيحاء ذكي، تقول بصيغة شعار فاضح: “الإعاقة الحقيقية ليست جسدية بل الإعاقة الذهنية هي الأخطر في عُرف عشيرة بني خيران!”، تهجى الكلام بصعوبة، أحس بغصة مؤلمة تحتل حنجرته المعطوبة، تنهد وزحف نحو دابته الحديدية طلبا للنجاة من قسوة الإيحاء.
رغم سكاكين الإدانة وآلام اللحظة، تجاهل المعنى، كعادة كل الفراقشية الحقيرين، لم يتوقف للبحث عن أسباب ودوافع الكتابة، مسح عن جبهته قطرات عرق برزت بشعة فوق التجاعيد، أحنى رأسه المليئة بالمصائد والفخاخ والأكاذيب وأقوال الدجل المصنوعة للإيقاع بالضحايا، دفع الدابة بطريقته المثيرة للتأمل، ركب الحديد الصدئ، وفر هاربا من نظرات أبناء دربه الذين يعرفون أصله وفصله وحقيقة غزواته النهارية المشوهة لبني البشر.
قصد مركز المدينة للقاء معتوه كريه أطلقوا عليه لقب “علام البغال”، التقاه في حانة الحفرة المظلمة، عانقا بعضهما البعض، تظاهرا بالحب والمودة، في دواخلهما ثقوب كثيرة احتفظت بظلام الحقد والعقد النفسية، على وجهيهما قناعان بشعان فَشِلا في إخفاء حقيقتهما، شربا كؤوس الجعة الذهبية الرخيصة، وتحدثا طويلا في أمر التزكية وشؤون الحزب وخصوم الانتخابات القادمة.
قبل أن يتسلل خدر السائل الذهبي للشرايين ويملأ جمجمتيهما بضباب الشعير البَغْلِي، انشغلا بالحديث عن حلبة الترشيحات المفترضة، الأسماء المقترحة اشتركت في كونها حقيرة لا أخلاق لها، مكروهة من طرف الأبرياء، ملامحها حيوانية التفاصيل، طباعها وحشية لا ترحم.. وما في الساحة غير كلاب انتهازية تنتظر دورها في افتراس الجثة العفنة.
ازدحم السكارى حول الموائد الواطئة، طغى اللغط الدائخ على المكان، الأفواه تلعثمت بالكلمات الغامضة، الآذان لم تسمع سوى الصراخ، كأن الوجوه البشعة في مزاد بيع المصائر، كل واحد غَنَّى على ليلاه، استسلم لسلطة الجعة والنبيذ المغشوش، ضَيَّع الرؤية في دخان السجائر وضباب الأنفاس، وصوت ارتطام الكؤوس والقناني ضجيج سمفونية مألوفة، ولا أحد اهتم بما قالَه الآخر
حرضت الدوخة “دوستي” على معرفة سر تسمية قرينه ب”علام البغال”، مسح شفتيه بحركة شناق في رحبة بيع المواشي، نظر مليا في الوجه الغريب، تاه في قراءة دقائقه، ودون مقدمات، بادره بالسؤال، قال:
ــ “أجي قل لي تا كيفاش سموك “علام البغال”؟! هل كنت تعلمها بالإشارات والرموز؟! أم كنت تمارس تبوريدة الرعاوين”
فغر فاه دهشة بصدمة السؤال، ركن للصمت وسط الضجيج، صنع بشفتيه حركات ابتسامة صفراء، ملأ الكأس، وأجاب:
ــ “لا هذا ولا ذاك، أصدقائي في جمعية العميان أطلقوا علي هذا اللقب، كنت مدمنا على تنظيم صباحيات للأطفال، أتوسط صفا من البغال، أقوم بحركات التبوريدة لانتزاع ضحكاتهم البريئة، ومن حينها سَمَّوْنِي “علام البغال”.
وتناسل الحديث عن البدايات، استرجع “دوستي” ذكريات شبابه مع الفقر ودراجته النارية الخاصة، وكلما صب في جوفه سائل النبيذ الأحمر فقد السيطرة على لسانه وعاد لزمن الجمر والرصاص، كان معتادا على التسكع بشوارع حيه المهجورة، وفي ليلة خارجة عن حكايات الخرافة، صادف أن التقى بالخليفة وحافظ سره يتفقدان أحوال الجوعى والمحتاجين ومن عافتهم وظائف الدواوين الممنوعة على الرعاع، تعرف عليه من بعيد، وزحف نحوه فاتحا يديه فيما يشبه طلب الاحتضان والعناق.
بادله الخليفة نفس الرغبة وقَبِل معانقته على مضض، أشفق عليه الخليفة، تصنع التعاطف، بادله نفس الرغبة وقَبِل معانقته على مضض، تحدث معه عن أحوال الناس، استفسره عن آرائهم حول الحكام وأولياء الأمور، وختم كلامه العجيب بسؤاله عن سبب خروجه ليلا والناس نيام.
ومع الدوخة، بدت اللحظة لقطة باهتة على شاشة بدائية غير واضحة المعالم، امتعض الخليفة من رائحته الكريهة، حاول التخلص من قبضته القوية، وجه إليه الأمر، قال: “واطلق وتا غ اطلق واش خاصّاك شي حاجة؟ شنو بغيت نعطيك؟!” وابتعد عنه قليلا.
ونظرة الانتهازي فخ بدائي لاصطياد عطف السذج، أغمض جفنيه بطريقة كلب يعاني من عسر اللهم، أجاب بنبرة متسول يجيد فن لاستجداء، قال: “أسيدي أنا ما باغي والو، باغي غ نبقى معك !”
أدرك الخليفة أنه أمام انتهازي بالوراثة والصنعة، ولن يفلت من حقارة “دوستي” سوى بمطاوعته في كذبته، سايره في طلبه، حرر نفسه من فكي ذراعيه الحديديتين، التفت لكاتم سره وقال: “أعطوه مائة ألف دينار ومهنة تقيه عاهة التسول!”
ومن ليلتها أدمن السؤال عن الدينار الذهبي، أينما ظهرت له فرصة سرقَته في الخفاء والعلن، نط بجسده المنقوص، داخل حلقة المزاد الخاص بتجارة الأعيان والخلان، انتزع نصيبه من الضحية، ومضى نحو ضحية أخرى لا تعرف طبيعة الجشع الكذَّاب.
فتح عينيه في مجال سائب دخله الدجالون والمشعوذون والنصابون، لم يتفاجأ بتواجد قبائل مجهولة النسب وملل متواطئة في رحبة الأقنعة الرخيصة والنصب على أشقياء المصير البئيس، نصحوه بتأسيس جمعية للأحلام واحتضان فقراء القلب والروح، قصد كاتب دربهم المزدحم بالآهات، طلب منه كتابة بيان التأسيس وتوجيه الدعوات للراغبين في دخول سوق السياسة وأحزاب المتمنيات الكاذبة، وطاف بين المعارف والأقارب ووعدهم بتحسين الأحوال وتمجيد الخلف الصالح.
استلم الترخيص وطغى، زحف على بطنه كثعبان مسموم يلدغ من ساقته إليه الصدفة وعشوائية الحياة، ابتكر لكل مناسبة صيغا من الحيل والأوامر للسطو على ما بالخزينة من أموال الأشقياء، توهم أنه في منأى عن الحساب والعقاب، انتفخت بطنه بالمال الحرام وصار مقعدا عاجزا عن الحركة وتغيير المقام.
لازمه “علام البغال”، أوهمه أنه الرجل المناسب للقيام بالمهام المستعجلة، تعمد الزيادة من رأسه المكتظة بمقالب الأشرار، تحصل على ثروة غامضة، واستقر به المقام في سجن الأندلس البعيدة.