كسر الخاطر

ماركس وكونفوشيوس

ختم رئيس الوفد الصيني الذي زار المقر المركزي للاتحاد بالرباط، واستقبله الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، بالقول إن « الصين نتاج مبادئ الماركسية والحضارة التقليدية»، متمثلة كما يخطر على بالنا، في ميراث «الكونفوشيوسية»، و»الطاوية. «
وإذا كانت الماركسية الصينية قد أسالت الكثير من الحبر، ونالت حظا واسعا من الانتشار والنقد والتفاعل، فإن الذي يثير التفكير هو العفوية التي أجاب بها رئيس الوفد الصيني على الإعجاب الذي أبداه قائد يساري مغربي، بخطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ. وفي التقدير العام، الذي انبنت عليه الماركسيات اللينينية على وجه الخصوص، هناك تعارض وجودي بين البعد الحضاري وصناعة الإنسان الاشتراكي والمجتمع الاشتراكي. ولكن في التجربة الصينية يحضر البعد الثقافي الحضاري بقوة، هناك «مونتاج» فكري وسياسي ذكي إن لم نقل عبقري بين كونفوشيوس وماركس، بين إرث يركز على الأخلاق، واحترام الأسرة، والانسجام الاجتماعي الواسع من أجل الطمأنينة، وبين فكرة مبنية على مادية تاريخية، هي نتاج مادية جدلية تعنى بالوجود ومادته وطرق صناعة المجتمعات فيه.
تحضرني أربعة أفكار رئيسة عند العودة إلى هاته الجملة المقتضبة:
الحديث عن اليسار العربي بشرقه الفلسطيني ممثلا في حركة فتح التي أنهت مؤتمرها حديثا، وغربه الاتحادي بحزب القوات الشعبية بتاريخه وحاضره، وعن الصعوبة التي وجدتها قطاعات واسعة من هذا اليسار في خلق «سكينة» تاريخية بين البعد الحضاري، الديني والثقافي والأدبي والسلوكي، وبين الحضور الماركسي. والذي يهمنا أكثر هو مدى حضور الماركسية، لا كقناعات وجودية متناقضة بالضرورة مع أي بعد ديني روحي، بل كمنظومة تفكير عند القادة.
وقد كان العروي قد دعا في كتابه الأخير( دفاتر كوفيد) إلى «العودة إلى الماركسية كمنهج في تحليل الواقع وموازين القوة»، والابتعاد عن رومانسية ما في الفكر اليساري، من شاعرية تبعده عن الواقع وتقربه من الفشل في مهمته التاريخية.
ولعل من قوة الحاضر هو مدى حضور الفكر الموضوعي في تفكير الدول «الرجعية» في التصنيف الماركسي، أكثر منها لدى الثوار وأغانيهم ومقارباتهم الرومانسية. كما تبرز قوة التاريخ وأثرها في العلاقة بين الصين وأمريكا على ضوء القمة التي جمعت رئيسيهما، وهنا أذكر أن الرئيس الصيني فسر للرئيس الأمريكي الحاضرَ العالمي بالعودة إلى عمق التاريخ.
لجأ الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى العودة إلى عمق التاريخ عشرات القرون من أجل أن يشرح الحاضرَ لضيفه دونالد ترامب، عندما خاطبه بالقول إن الصين لها حضارة تبلغ خمسة آلاف سنة. ونسب الحكمة الحالية إلى التاريخ كما نسبها إلى المستقبل عندما تجاوز الزاوية الاقتصادية في بناء التحليل لما يقع.
هناك بعد واضح هو «الاعتماد المتبادل» اقتصاديا (interdépendance)، يفرض التعايش والعمل معا، ودون أن تكون هناك حالة حرب حتمية.
وكان التاريخ حاضرا كذلك بشكل خيّم على كل أخبار العالم، عندما استعان الرئيس الصيني بالمؤرخ ثوسيديديس (أو ثوقيديدس) الذي عاش في الفترة ما بين (460 ق.م – 395 ق.م)، ويُعد أول من كتب تحليلا سياسيا واقعيا وعسكريا للحروب. وحذر شي جين بينغ ضيفه من «السقوط في فخ ثوسيديديس».
ويُبين هذا التنازع بين واقعية ماركس وبين تجذر كونفوشيوس نموذجا حيا لما يمكن أن يفعله العقل والبعد الروحي في الأمم. وموازين القوة كما تلقنها الماركسية في القراءة الموضوعية للحاضر والمستقبل، ثم البصمة الروحية للحركة أو الشعب أو القارة وضرورتها في بناء قناعات ومبادئ ثابتة، أمر صار من مفاتيح قراءة التجربة الصينية. وهو أمر يدعو إلى التأمل، كيف أن الدول التي لها تاريخ تكون قادرة على أن تواصل مسيرتها، مهما كانت تجربة القطيعة مريرة وخطيرة (كالاستعمار مثلا)، وأن التي لا تاريخ لها تضطر إلى بناء هويتها الدولية امتدادا للدولة التي صنعتها واستعمرتها، ولنا في الجوار دليل واضح .
ومما يدعو إلى التأمل والتحليل، الإصرار الصيني على إعادة روحها التقليدية للدخول في الثورة. فقد يرى الكثيرون أن الثورة التي قادها دينغ سياو بينغ منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، والتي خلقتها الصين، لم تكن في جزء منها سوى إعادة إحياء طرق الحضارة القديمة وروحها التجارية، أي بالعودة إلى طابعها التاريخي المحافظ. وهو ما يمكن أن نتأمله في المغرب في العلاقة مع تاريخ القوافل والطرق التجارية في القارة السمراء، ويبدو أننا نستهدي به في مغرب محمد السادس.
والأمر الآخر هو قدرة الحركات والدول ذات التاريخ على الاستمرار، في حين أن التي تسارع إلى نفيه واجتثاثه بمبررات لا تاريخية ولا جدلية، تنتهي بلا هوية وخفيفة في ميزان التأثير وفي جدلية ميزان القوى الداخلية.
إنها لحظة سردية تاريخية من خلال لقاء لم يتجاوز ساعة واحدة (والنموذج الصيني في تدبير الزمن قصة أخرى)، ومن خلال تكثيفها في جملة واحدة !