كتاب العدد

بصراحة .. كبش البواري بألف درهم

خرج علينا السيد وزير الفلاحة من داخل قبة البرلمان بتصريح تاريخي… ووطني… وشعبي… واقتصادي… وحولي… وكبشي بامتياز.
قالها بكل ثقة: الكبش موجود بألف درهم.
قالها دون أن يرف له جفن، ودون أن يخشى جولة مفاجئة في الأسواق التي أكد أنه يعرفها جيدا، وربما يعرف حتى أسماء الأكباش فيها واحداً واحداً.
وطبعا، نحن مواطنون صالحون، سنصدق الحكومة، وسنكذب “الشناقة”، والمضاربين، والمعارضة المتحاملة، والإعلام “المعادي”، وربما حتى الجزار إن قال لنا إن اللحم صار أغلى من بعض الرحلات الجوية.
وسأطلب من السيد الوزير، بكل احترام وهدوء وغيرة وطنية: أريد شراء أربعة أكباش بهذا الثمن المبارك…ثلاثة للأفقر مني إن وجدوا، وواحد لي حتى أشارك في هذا الإنجاز الوطني العظيم.
وسأدفع الثمن كاملا، مع مصاريف النقل، ومعها هدية رمزية للسائق، فقط دلّونا على هذا السوق الأسطوري الذي يبدو أنه يوجد في بعدٍ اقتصادي لا يصل إليه المواطن العادي.
لكن بعيدا عن الكبش الذي أصبح أقرب إلى الخيال الشعبي، يبقى السؤال الحقيقي الذي يطرحه المغاربة بمرارة:
أين ذهبت الملايير؟
أين ذهبت أكثر من 4200 مليار سنتيم التي صُرفت باسم دعم الفلاحة، وتنمية العالم القروي، ومواجهة الجفاف، وتأهيل القطاع، ودعم الأعلاف، وتحديث وسائل الإنتاج، وحماية الأمن الغذائي، والمخططات الكبرى التي كانت تقدم للمغاربة كما لو أنها الطريق المختصر نحو الجنة الفلاحية؟
لقد تعاقبت البرامج والاستراتيجيات، وتغيرت الشعارات، مرة “المغرب الأخضر”، ومرة “الجيل الأخضر”، وفي كل مرة كانت الأرقام تكبر، والوعود تكبر، والميزانيات تكبر، لكن الشيء الوحيد الذي لم يكبر هو قدرة المواطن الشرائية.
قيل للمغاربة إن الدعم موجه للفلاح الصغير، لكن الفلاح الصغير ظل صغيراً إلى درجة أنه اختفى أحياناً من المعادلة كلها، بينما ظهر في المقابل نوع جديد من “الفلاحين الكبار” الذين لا يعرف المواطن أسماءهم إلا حين تنفجر فضيحة أو ترتفع الأسعار بشكل هستيري.
وقيل لنا إن الهدف هو تحقيق الأمن الغذائي، لكن المواطن صار يشعر وكأنه يعيش مفاوضات يومية مع السوق: هل يشتري اللحم أم يؤدي فاتورة الكهرباء؟ هل يقتني الطماطم أم يحتفظ بثمنها للطوارئ؟ هل يفرح بالعيد أم يبحث فقط عن طريقة للنجاة من مصاريفه؟
كيف يمكن لبلد صرف الملايير على الفلاحة أن يصل إلى مرحلة يناقش فيها المواطن أسعار البصل والطماطم والبطاطس كما لو أنها معادن نادرة؟