ثقافة وفنون

متعة الحركة وسحر الفراغ في تجربة سناء بدوي الشريف

 

تختلف أوضاع الحركة في عدد من التعبيرات الفنية بمحتلف مشاربها كانت إنسانية أو حيوانية حسب فكرة تواصل صاحبها، وهذا ما حصل مع أيقونات الفنانة سناء بدوي الشريف لرهافة مشاعرها وسلاسة رؤيتها للأشياء، بمعالم تخضع لعملية استنباطية لأغوار ما حاولت أن تعكسه في تجربتها الفتية التي اتخذت من الحركة عنوانا لها.
الجميل في تجربة الفنانة سناء بدوي الشريف هي تمثلات الحركة من موقع الصورة الثابتة التي توهم بانتقال أيقوناتها بين الأمكنة والفضاءات المفتوحة غير المحددة والصالحة لكل زمان ومكان، المنفتحة على ما لانهاية، لتترك للمتلقي فرصة التأويل حسب مرجعيته المعرفية والفنية الممكنة.
فالتجربة في رمتها أقرب للعملية الغرافيكية منها للصباغة بالمفهوم الكلاسيكي، لأنها ترسم الأشكال بخطوط دقيقة بعيدا عن صياغتها وتحديد فراغاتها لملئها. بمعنى أن عملها مهادن لطرح الأسئلة التي تستنبط عنفوان الصباغة في تكوينها المرتبط بالقضايا التاريخية للتعبير الصباغي، وبمعنى أن تجربة هذه الفنانة تمتح من الأسئلة الراهنة التي تخضع للضوابط الإستيتيقية المكملة لما أفرزته التجارب الصباغية التي عرفها التشكيل المغربي في بعده التقني، الراصد لتحولاته ضمن الكرونولوجية التعبيرية.. خطوط انسيابية منعرجة على اللامألوف في الرؤية الإبداعية المتمحصة والمدققة في تفاصيل الأشكال، عنوانها مواضيع تنهل من التراث المغربي الأصيل بمنظور جمالي مغاير عن المنهج الفلكلوري المعتاد، أثثته الفنانة سناء بدوي الشريف بمشاهد من ملحمة للخيول والفانطازيا المتحركة بين الرقص والجذبة والغناء غير المسموع، إنها تجربة تتراوح بين التجريدية الغنائية والتشخيصية التعبيرية.
تتجلى خصوصيات العناصر التكوينية في تجربة الفنانة سناء بدوي الشريف في أفق استشراف ما سوف ستؤول إليها أبعاد أعمالها، لما تحتوي عليه من آفاق تحولية من منظور يطرح أسئلة تقنية وأخرى موضوعية، بعيدا عن ما هو جمالي فقط، لأن تجربتها برمتها اعتمدت على محاولة فهم الضرورة الفنية التي تأسست على أنقاضها، لتصبح متميزة على مستوى الأسلوب من خلال شكلها وتفاعل ألوانها.
في الفنون البصرية حسب ما هو متداول بخصوص هذه الإشكالية، يُعدّ كلٌّ من المملوء والفراغ عنصرين لا ينفصلان، يُشكّلان بنية العمل الفني. فما هو مملوء يشير إلى المادة والأشكال والمناطق الكثيفة، بينما يُشير الفراغ إلى المساحة المحيطة. ويُعدّ التوازن بينهما أساسيًا لإضفاء الإيقاع والمعنى والوضوح على العمل الفني، وهذا ما حصل في تجربة الفنانة سناء بدوي الشريف، حيث اتخذ أسلوبها اتجاهين على مستوى معالجة الشكل، أي بين ما هو فارغ وما هو مملوء، فتتحول الأيقونات لأشكال هلامية تحددها خطوط مفتوحة على ما لانهائي كما هو الحال في تكوينات الفانطازيا التي جاءت في تجربتها، وكأنها تخطيطات انسيابية لمنحوتات أولية على مستوى بداية إنجازها، كعتبة لنمذجتها بشكل نهائي.
إن تجربة الفنانة سناء بدوي الشريف، تجربة تخوضها الحركة والفوضى الصامتة، لا يمكن الوقوف على مكامنها إلا من خلال إحساس دفين لمتلقي متذوق لمعنى الجمال، لأن تجربتها تطرح عددا من الأسئلة التي تترابط خيوطها ضمن نسق موحد يجمع بين التشخيص والتجريد، وبين الألوان والمونوكروميات، كفعل متمكن من التدرجات اللونية المنبثقة عن التحكم في التسلسل المرئي للألوان المستخدمة.
إن الفعل الصباغي في تجربة هذه الفنانة، هو ما تمليه تكويناتها واختياراتها الموضوعية، إشباعا لرؤيتها الإبداعية، لتتحرر من نمطية الأساليب الكلاسيكية، لتخلق لنفسها أسلوبا واتجاها متعدد التأويلات، يجتمع فيه الشكل والموضوع معا الذي فرضته طريقتها ومعالجتها للأشكال والألوان، بعيدا عن لما يمت بصلة للأنماط المتداولة الحاضعة لمنطق الموضة، كتحد ومغامرة لاكتشاف المجهول، لذلك عرف أسلوبها زئبقية منفلتة من النمطية، مع طرح الأسئلة وابتعادا عن كل ما هو روتيني مشاهد.