مرسيليا تفتتح موسم البحر الأبيض المتوسط 2026: حوار ثقافي بين ضفتي المتوسط وسط حضور مغربي قوي ومتميز
أعطت مدينة مرسيليا إشارة انطلاق موسم البحر الأبيض المتوسط 2026، وهو تظاهرة ثقافية كبرى أرادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهدف إطلاق مشاريع مشتركة بين مختلف ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وكان الرئيس قد أعلن عن هذا الموسم في مرسيليا خلال شهر يونيو 2023، ويتميّز هذا الحدث عن المواسم الثقافية التقليدية التي تكون عادة مخصّصة لدولة ضيف شرف، إذ يهدف هذه المرة إلى إبراز مجمل العلاقات الثقافية والإنسانية والتاريخية التي تربط فرنسا بالفضاء المتوسطي.
ويُنظم هذا الموسم بشراكة بين وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، ووزارة الثقافة، والمندوبية الوزارية المشتركة للبحر الأبيض المتوسط، بينما يتولى المعهد الفرنسي تنفيذه تحت الإدارة العامة لجولي كريتزشمار.
احتفاء بثقافات المتوسط
بعد افتتاح شعبي واحتفالي نُظم في مرسيليا يوم 15 ماي من طرف عمدة المدينة بنوا بايان بقصر الفارو، بحضور عدد من الوزراء وممثلين دبلوماسيين لعدة دول متوسطية، سيمتد الموسم إلى غاية 31 أكتوبر في أكثر من ستين مدينة فرنسية، إضافة إلى تنظيم فعاليات في خمس دول شريكة هي المغرب، الذي سيحتضن جزءاً مهماً من الأنشطة، والجزائر، وتونس، ومصر، ولبنان.
وسيضم البرنامج أكثر من مائتي فعالية تجمع بين الفنون البصرية، والموسيقى، وفنون العرض الحي، والسينما، والأدب، والإبداع الرقمي، وندوات الفكر، واللقاءات المهنية.
ويولي هذا الموسم اهتماماً خاصاً بالفنانين والمبدعين والمواهب الشابة من ضفتي المتوسط، مع التركيز على تعزيز التبادل الثقافي والإنساني.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، تم عرض أعمال فنية ضمن مشروعين هما «المقاومات والعصيان» بمبادرة من قلعة مرسيليا، و»عوالم البحار» بمبادرة من مؤسسة كامارغو.
ويستحضر معرض سابر الزموري وأوغو مير فاليت جزءاً من التاريخ الاستعماري، خاصة فترة سجن الحبيب بورقيبة في فرنسا بسبب أفكاره ونضاله من أجل استقلال تونس.
ومن أبرز لحظات الافتتاح أيضاً عرض مسرحية «أمهات المتوسط» للمخرج محمد الخطيب بالمتحف الأوروبي والمتوسطي للحضارات «موسيم». وقد جمع هذا العمل الفني 22 امرأة من مختلف أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، شمالاً وجنوباً، في دعوة فنية إلى «وقف إطلاق النار» والخروج من الصراعات التي تعصف بالمنطقة.
كما تحدثت المشاركات عن المطبخ المتوسطي والخلافات الرمزية حول أطباق مثل الكسكس والحمص، إلى جانب قضايا حقوق المرأة وضرورة تجاوز بعض الممارسات التقليدية القديمة.
ويرى محمد الخطيب «أن هذا العمل يأتي في الوقت المناسب، في ظل مجتمع «يشهد انقسامات وتصاعداً للعنصرية»، مؤكداً أهمية «إحياء ما يجمعنا وما نتقاسمه.»
وأمام مدخل متحف «موسيم»، وعلى مقربة من البحر، قدم الفنان البصري الفلسطيني من غزة شريف سرحان عمله الفني «منارة غزة» المزينة بالخط العربي. ومن المنتظر أن ينتقل هذا العمل إلى مدينتي بوردو ومونبلييه قبل أن يعود يوماً إلى غزة عندما يعم السلام المنطقة، بحسب الفنان.
ومن بين الأعمال البارزة أيضاً «منارة غزة»، وهي منشأة فنية ضخمة أُنجزت باستخدام بقايا الحروب التي شهدها قطاع غزة، خاصة ان هذه المنارة دمرت بغزة اثناء عدوان الاحتلال.
السرديات والذاكرة في قلب الموسم
يشكل تاريخ الهجرات الجماعية وبناء السرديات أحد المحاور الأساسية لهذا الموسم المتوسطي، بالنظر إلى أهمية هذه الظاهرة الاجتماعية والتاريخية في تشكيل حضارات البحر الأبيض المتوسط. وتقول جولي كريتزشمار إن هذا الموسم يمثل قبل كل شيء تفكيراً في السرديات والانتماءات.
إنه موسم مخصص للسرديات وللروايات المرتبطة بالمكان والانتماءات المزدوجة، وكذلك لتفكيك عدد من الصور النمطية. كما يهتم برواية مختلف الطبقات والأجيال، مع تركيز خاص على الأجيال الشابة المرتبطة بهذا التاريخ، وخاصة التاريخ الاستعماري.
موسم في سياق جيوسياسي صعب
يأتي افتتاح هذا الموسم في ظل سياق إقليمي شديد التوتر. فالحروب في الشرق الأوسط، والتوترات الدبلوماسية بين فرنسا والجزائر، والأزمة الاقتصادية في لبنان، إضافة إلى القيود المفروضة على بعض المشاهد الثقافية في تونس ومصر، كلها عوامل أثّرت على التحضير لهذا الحدث.
وتعترف جولي كريتزشمار بأن الصراعات تخترق هذا الموسم وتؤثر عليه، في فضاء متوسطي تصفه بأنه مستقطب ومنقسم.
وخلال افتتاح الموسم في مرسيليا، شدد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو على المفارقة التي يمثلها البحر الأبيض المتوسط قائلاً: «البحر الأبيض المتوسط منطقة استراتيجية أساسية للتجارة العالمية، لكنه أيضاً مقبرة لمن يفرون من الحروب». كما أكد الوزير على رغبة فرنسا في دعم شباب المتوسط والجاليات والجمعيات ومبادرات المجتمع المدني.
وتبدو مرسيليا، باعتبارها مدينة ملتقى بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، رمزاً طبيعياً لهذا الموسم. وعلى مدى عدة أيام، تحتضن المدينة معارض وتركيبات فنية وحفلات موسيقية وإبداعات جديدة. كما يقدم المخرج المسرحي سيباستيان خيروفي عمله «الملح في العيون»، وهي ملحمة سياسية واجتماعية وعائلية تستكشف العلاقات بين فرنسا والجزائر، وتطرح مشاريع أخرى، مثل «المقاومات والعصيان» و»عوالم البحار»، أسئلة حول الذاكرة والحدود والخيال المتوسطي المعاصر.
المغرب في قلب البرمجة
يُعد المغرب من أبرز الشركاء في موسم البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة عدد كبير من الفنانين المغاربة وفناني الجالية المغربية المقيمة في فرنسا.
وسيتم تنظيم عدة فعاليات داخل المعاهد الفرنسية بالمملكة، خاصة في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة والصويرة.
ويشارك في هذه البرمجة عدد من الفنانين المغاربة والفرنسيين من أصل مغربي، من بينهم محمد الخطيب، وعبد الصمد المنتصر، وأمينة موريد، وسكينة أبو العلا، وسفيان بياري، وعثمان جماد، ومروان بسلام، ويطو برادة، وحمزة الشريف، وسفيان أوريش.
وترى جولي كريتزشمار، المفوضة العامة لموسم البحر الأبيض المتوسط 2026، أن: «ذلك يفسَّر بكثافة الروابط القائمة بين بلدينا، سواء تعلق الأمر بالجاليات أو التبادلات الفنية أو التعاون الجامعي أو المبادرات الاقتصادية. لكن الأمر لا يتعلق بموسم مخصص لدولة واحدة أو لمشهدها الفني بالمعنى التقليدي. فالموسم يربط بين فنانين ومفكرين ومجموعات تحمل مسارات عابرة للحدود، ويُبرز مبدعين مغاربة وفرنسيين من أصل مغربي في حوار مع مشاهد متوسطية أخرى.»
ومن خلال هذه البرمجة، يسعى الموسم إلى تشجيع التعاون الثقافي والفني والإنساني بين مجتمعات البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز تداول الأفكار والأعمال الفنية والفنانين.
وبعيداً عن بعده الثقافي، يبدو موسم البحر الأبيض المتوسط 2026 محاولة لإعادة بناء الحوار داخل منطقة تعيش على وقع الانقسامات السياسية والتوترات الجيوسياسية.












