كسر الخاطر

قرار رئيس الحكومة وخطبة التبرير !

القرار «الرئاسي»، الذي أصدره عزيز أخنوش رئيس الحكومة، حول محاولة لجم الانفلات الرهيب في أسعار الأضاحي، قرار جيد، ولا أحد يمكنه أن يكون ضد إرادة معبر عنها، تروم الحكومة من خلالها التأثير على السوق.
هو قرار جيد، ولكنه قرار متأخر. ويجدر بنا القول إن قرارا متأخرا خير من الفرجة على أكباش تضحي بالمواطنين، لكن في مناسبة محكومة بزمانها، يكون للوقت دور السكين.
القرار كان موضوعا على طاولة رئيس الحكومة، على الأقل، من أيام المعرض الفلاحي بمكناس، أي
من الفترة 20 إلى 28 أبريل 2026.
مر شهر بالكامل، كان كله حديثا عن الأثمنة التي بدأت تلهب الأسعار.
الحكومة وقتها اختارت منطقا ملتبسا وبلاغة غاية في الغموض: دعت الكسابة والفلاحين إلى عدم عرض ما لديهم في الأيام إياها، بمعنى آخر دعت الفلاحين، مرة على لسان وزير الفلاحة ومرة على لسان رئيس الحكومة، إلى «تخزين» قطيعهم إلى حين لا مناص !
القرار جاء من بعد يعلن «منع تخزين الأضاحي خارج المسالك التجارية الاعتيادية».
والتخزين، في الواقع، تقنية يعتمدها «الفراقشية»، والمضاربون من أجل أن يتحكموا في الأسواق، في الساعات الأخيرة.
الحكومة ظلت تراقب السوق وهي تحكم قواعدها: الليبرالية تقدس السوق، والمضاربون أيضا.
ما حدث أنه في الفترة التي سبقت البلاغ الحكومي، المؤقت بالمناسبة والمتمثل في «منع شراء الأضاحي داخل الأسواق بغرض إعادة بيعها»، كانت الشاحنات تقطع عشرات الآلاف من الكيلومترات بين شرق المملكة وجنوبها، وتتوالى الأرتال والطوابير منها خارجة من عين بني مطهر وتاوريرت، بعد ملئها بسلالات «البركي» و»بني كيل»، والعودة عبر الطريق إلى الغرب من المملكة.
التعثر في تدبير الزمن، وهو المقابل الموضوعي للتردد، يمثل فسحة زمنية وشوطا إضافيا «للشناقة».
قد يكون المبرر هو إحالة الموضوع على مجلس المنافسة ليقدم «فتواه»، وهو أمر منطقي، وإن كان بدوره متأخرا.
كما أن الحرص على شروط منافسة «مؤسساتية» وأخلاقية، في محيط محكوم بالريع وإسقاط كل شروط المنافسة وتعطيل قوانين الضبط الليبرالية للسوق، أمر قد لا يقنع الكثيرين، إن لم يجدوا فيه طريقا ملتويا للإفلات من تحكيم القانون والضرب على يد المضاربين.
ومما يزيد من الشكوك، نوع من الخطاب الذي يدفع نحو «التعفف» المتدين للمواطنين، ومحاولة الدفع نحو الامتناع عن الذبيحة على قاعدة خطاب ديني، ومفاده: أن الذبيحة ليست إجبارية، وأن ابن عباس كان يضحي بفروج وأن الدين يسر…
وهي أمور حقيقية ومطلوبة ربما، في سياق مجتمع غير محكوم بالسوق والتوحش، ولكنها تبدو غير منطقية في مجتمع انبنى على الاستهلاك وتحول فيه الطقس الديني إلى شريعة اجتماعية .
والذي يعطل روح التشريع الديني في الأضحية» بالتخفيف من إجباريتها» ليس هو التدين بل هو السعار الذي عرفته الأسعار، وهو ما يجب أن نتوجه إليه بالنقد والمواجهة، مستندين في ذلك إلى الأهداف المقاصدية للدين والقيم الإسلامية الحقة.
ليس الفقيرُ هو مَن عليه أن يتخلى عن الأضحية، بل الجشِع، واللص، والمُرابي، أولئك هم مَن يجبُ أن نفرض عليهم التخلي عن جشعهم، وسرقتهم، وتحريفهم لمقاصد الأضحية بعدما حولوها إلى سلعٍ «مركانتيلية» تقتل الفقراء.
لا يمكن أن نتهم الفقير بالتشبث بالأضحية، وندعوه إلى التخلي عنها، فقط لكي نرفع الحرج أو المحاسبة عمن حولوا الأسواق إلى رحبة نيران، وهذا ما كان!
كل تعطيل للقانون هو في الواقع تعطيل لروح الدين، والمنكر هنا هو غياب القانونِ لا غياب الموعظة.
والخلاصةُ أَننا – نحن الفقراء وذوي الدخل المحدود والمتوسط – نوجد اليوم بين تعطيلِ القانون أو تأخير تفعيله، وبين تبرير قانون السوق الليبراليِ المتوحشِ، باسمِ الدينِ والأخلاقِ الحميدة.