حتى لا نخلف الموعد
في كل محطة انتخابية يتجدد السؤال نفسه: هل نحن أمام استحقاق ديمقراطي حقيقي يعزز ثقة المواطن في السياسة والمؤسسات، أم مجرد إعادة إنتاج لاختلالات تُعمّق العزوف وتوسع الهوة بين المجتمع والعمل الحزبي؟
إن هذا السؤال لم يعد ترفا سياسيا، بل أصبح مدخلا ضروريا لأي نقاش جاد حول مستقبل الممارسة الديمقراطية ببلادنا، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعرفها المغرب، وما تفرضه من حاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، وربط الديمقراطية بالمصداقية والكفاءة والوضوح.
إن الرهان اليوم ليس فقط احترام المواعيد الدستورية وتنظيم الانتخابات في آجالها المحددة، بل الأهم هو ضمان أن تكون هذه الاستحقاقات شفافة ونزيهة، قائمة على تكافؤ الفرص واحترام الإرادة الشعبية، بعيدا عن كل الممارسات التي أفسدت العملية الانتخابية وأساءت لصورة المؤسسات المنتخبة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن جزءا كبيرا من أزمة الثقة يعود إلى اختزال الانتخابات في سباق للمال والنفوذ، بدل جعلها لحظة للتنافس الديمقراطي حول المشاريع والبرامج والتصورات المجتمعية. لذلك، فإن المرحلة المقبلة تستدعي القطع النهائي مع كل الأساليب التي تفسد العملية السياسية، سواء تعلق الأمر باستعمال المال، أو توظيف شبكات المصالح، أو تحويل التمثيل السياسي إلى امتياز انتخابي تحكمه القدرة المالية بدل الكفاءة والاستحقاق.
فالرهان الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر انتقاء مرشحين يمتلكون المصداقية والكفاءة والقدرة على التأطير والترافع، لا مجرد ممولين للحملات الانتخابية. لأن المؤسسات المنتخبة ليست فضاءات للوجاهة أو المصالح، بل هي مؤسسات لصناعة القرار العمومي والدفاع عن قضايا المواطنين.
ومن هذا المنطلق، تصبح البرامج الانتخابية معيارا أساسيا لقياس الجدية السياسية. فالبرامج لا ينبغي أن تكون وثائق مستنسخة أو وصفات جاهزة تعدها مكاتب الدراسات، بقدر ما يجب أن تكون ثمرة لنقاشات حقيقية داخل الأحزاب، وصياغة تعكس اجتهاد أطرها ومناضليها، ومعبرة بوضوح عن اختياراتها الفكرية وتوجهاتها المجتمعية.
إن وضوح الهوية السياسية يظل شرطا أساسيا في أي ممارسة ديمقراطية سليمة. فلا يمكن القبول بحزب يرفع مرجعية ليبرالية ثم يتبنى، بمنطق المزايدة الانتخابية، خطاب الدولة الاجتماعية دون امتلاك تصور اقتصادي واجتماعي منسجم مع مرجعيته. فالمصداقية السياسية تقوم على الانسجام بين الخطاب والممارسة، وبين المرجعية والبرنامج، لأن المواطن أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين المشاريع الحقيقية والشعارات الظرفية.
كما أن التنزيل السليم للقوانين الانتخابية يشكل بدوره مدخلا أساسيا لإنجاح أي استحقاق ديمقراطي، عبر التطبيق الصارم للمقتضيات القانونية واحترام قواعد المنافسة الشريفة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويمنحها الشرعية السياسية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انسجاما مع تاريخه الوطني، موقع الدفاع عن المؤسسات وتعزيز الحضور الميداني بالأقاليم الجنوبية للمملكة، إدراكا منه للطابع الاستراتيجي الذي تمثله قضية الصحراء المغربية في معركة استكمال الوحدة الترابية. ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة الكاتب الأول للحزب إلى مدينة العيون لتثبيت الحضور التنظيمي والسياسي للحزب بأقاليمنا الجنوبية، والتحضير لأدوار سياسية ودبلوماسية متقدمة خلال المرحلة المقبلة.
فالحزب، بما راكمه من علاقات وامتداد داخل الأممية الاشتراكية، يمتلك قدرة خاصة على الترافع السياسي والدبلوماسي حول عدالة القضية الوطنية، خاصة وأن بعض الأطراف المرتبطة بالحركة الانفصالية ظلت حاضرة داخل بعض فضاءات هذه المنظمة الدولية. وهو ما يجعل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مؤهلا للقيام بأدوار سياسية وحوارية قادرة على استقطاب عدد من العناصر المؤمنة بالحل السياسي، والمساهمة في إدماجها في الحياة السياسية والمؤسساتية الوطنية، في إطار مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى لحظة سياسية جديدة، عنوانها إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة الديمقراطية الحقيقية. فالانتخابات ليست مجرد موعد تقني عابر، بل فرصة لإحياء الأمل في السياسة كأداة للإصلاح والتنمية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وحتى لا نخلف الموعد، فإن المطلوب اليوم هو إرادة سياسية جماعية تجعل من الاستحقاقات المقبلة محطة لترسيخ الديمقراطية، لا مجرد عبور انتخابي جديد.












