التكرار الفني والجمالية في سردية «ليل بين شرفتين»للكاتب عبد الهادي الفحيلي
زهير زدوق( كاتب)

تقاعدت…
هكذا بدأت الرواية لترمي بالقارئ في جوف النص السردي بدون مقدمات. وأقول، حسب رأيي الشخصي، إنه نص أخطبوطي؛ لأن كل ما يتفرع، يتفرع من كلمة واحدة وهي الأصل: تقاعدت.
وهذه الـ»تقاعدت» التي بُنيت حولها عوالم الرواية، لم تكن كلمة عبثية مرمية في النص، بل كان حظها أن ذُكرت في الرواية عدة مرات، ليرسخ الكاتب في ذهن المتلقي أن منها تتشعَّب الأحداث، لأن التقاعد بداية الإدراك، كأن يكتشف المتقاعد شرفة منزله، حتى حين يعود الكاتب ليكتب عن الطفولة نجد النص ينجذب إلى مغناطيس «تقاعدت».
ورغم تكرار الكلمة إلا أن التكرار كان فنيا، فنجد الكلمة حيثما وجدت وقُيِّدت ببداية حدث ما، أو برواية قصة… كأن يسترسل الكاتب بربط الكلمة بقصة: «السي حمد واتاه لانتريت»، ليغوص في هذه الأخيرة متناولاً أحداثاً ووقائع مستوحاة من صميم الواقع المعيش.
يقول محمد برادة في كتابه «أسئلة الرواية أسئلة النقد»: إن الرواية حتى وإن قصدت تحقيق متعة خالصة، فإنها لا تنفصل عن المعرفة، معرفة ذات خصوصية تسلك المنعرجات وتمزج العقلي بالأسطوري، والمرئي بالمسموع، والتجريبي بالمقروء.
ففي هذا النص السردي، وبغض النظر عن المحكي فيه، وبتسليط الضوء على كيف حُكي المحكي، نجد النص يعطي قيمة للاَّمعروف، ويبرع الكاتب في تحويل المفاهيم المجردة إلى شيء حي، وتحويل النص المقروء المكتوب إلى صورة مرئية. أي أنت تقرأ، أنت ترى، وهذا دور الأدب والأديب في إعطاء تلك الأشياء التي نراها هامشية معناها، مما يجعل النص السردي أقرب لتعريف القارئ لا من عوالم الرواية فقط، بل على نفسه ومحيطه أيضاً من خلال قراءة متخيل أقرب ما يكون من واقعه.
يعتمد النص على مزج الواقعي المتخيل بالمتخيل، في ذهن المتكلم، فتجده في كثير من فقراته يتحكم فيه الحوار وطرح السؤال مع الذات، بتوظيف آليات غير مرئية للخروج من هذا الأخير بدون أن يختل اتزان السرد.
نموذجاً في الصفحة 68: داخل البيت ثمة البرد الذي اصطليت به منذ غرقت في غياب تلك الملعونة، في الشرفة عالمي الحقيقي، أو ما أتوهم أنه كذلك.
ينتقل الكاتب بسلاسة بين الواقع والخيال، فجملة «ما أتوهم أنه كذلك» تعني ما يجري في خيال المتقاعد، وهي تقنية وظفها الكاتب بكثافة لخدمة متنه الروائي.
لم يكن توظيف البرد والنار في النص عبثياً؛ فوصف الكاتب لارتجاف المتقاعد من البرد وهو حديث الولادة، والنار التي أوقدتها الجارة لتدفئته، يمتدان ليصيرا رمزاً لما يعتمل في داخله؛ نارٌ أوقدها الزقاق وأججتها الشرفة لتغدو بركاناً يشتعل به النص ومن ثم القارئ، قبل أن يأتي برد غياب المرأة، أو الطيف، في الشرفة ليطفئها.
يتبنى النص السردي أسلوب التعويم الزمني، حيث يعمل الزمن بمثابة أداة فنية تتنقل بالشخصية عبر الذاكرة إلى الماضي، فكما يظهر في الصفحة العاشرة: «عشت أجر ورائي ما أجر، ربطت قنينات من قصدير فارغة بخيط وجررتها ورائي».
يستمر الكاتب في وصفه رابطاً هذه الجملة بالطفولة، ممدداً النص إلى قوله: «وها أنا المجرور ولم أعد الجار». هنا يطرأ تحول في وصف الطفولة إلى مرحلة أخرى باختزال زمني في جمل سردية قليلة، ورغم الوصف الذي يكاد يكون متكاثفا، إلا أن الكاتب يتحايل عليه لئلا يخفت إيقاع السرد.
أما النهاية، فتأتي لتكون مفارقة، وتشعل في ذهن القارئ أسئلة وجودية. فبدلاً من النهايات التقليدية السعيدة أو الحزينة، تسير النهاية هنا على إيقاع النص العام، تاركة القارئ في حيرة حول ما إذا كانت الأحداث، بصفة عامة، مجرد خيالات جرت في مخيلة المتقاعد، وقد يختلف تأويل هذه النهاية عند كل قارئ على حسب نظرته، فالصورة واحدة ولكن الآراء حولها تختلف.
ولا تكتفي النهاية بإثارة التساؤلات، بل يطرح النص أسئلة وبأسلوب مباشر تارة، ومن خلال المفارقات والأحداث المعقدة تارة أخرى، كإشكالية الهوية؛ حيث يتبرأ المتقاعد من محيطه وعائلته، وتتلاشى قناعته بالأشياء، كونه كان مسلوب الإرادة منذ صغره، حتى حين صار موظفاً. يقول معبرا عن فرحته: «الحرية رااائعة». لكنه اكتشف بعد تقاعده أنه ظل طوال حياته مرهوناً للآخرين رغم وهم الحرية. ولم يكن حرا إلى أن تقاعد.












