ليتهم يتكلمون كما تكلم بنهاشم !
تحدث عن تقرير الاجتماع الذي دار ليلا في وزارة الداخلية بين البصري ومؤسس البوليساريو الوالي السيد!
اتهموه بمحاولة تسميم زعيم البوليزاريو، وتسبب في سجن الصحفي باهي عدة سنوات . وتحدث عن ليلة التخطيط السري للمسيرة .
==
اختار حفيظ بنهاشم معرض الكتاب لهذه السنة لينشر قطعا من حياته، اختار لها عنونا « مراحل حياة لخادم من خدام الدولة»، عبر «حكي من الذاكرة»، أو بالطائرة لا فرق.
بنهاشم، رجل الإدارة وخادم الدولة، واحد من قلة قليلة من طينته اختار الكلام، هو الذي يجر وراءه حياة متنوعة. لا شك أنه كان يواجه واجب التحفظ، سواء كان مقننا أو عرفيا، الذي يحكم كل خدام الدولة، عند الحياة وبعد مماتهم (كأن يتركوا مذكرات للنشر بعد رحيلهم مثلا). ولا شك أنه كان يستشعر ذلك.
هي شهادة استرعت انتباهي، بالرغم من أنني شخصيا لم أصادف هذا الرجل سوى مرة يتيمة، في بهو عمارة كانت تحتضن جريدة مغربية. كلانا صادف الآخر دون أن يكون لمصافحتنا معنى. وكان من الممكن أن ألوذ بقراءة كتب أخرى كنت في المعرض من أجلها، ومنها مذكرات ومؤلفات أصدقاء أعزاء.
يحتكم الكاتب إذن إلى ذاكرته، في حين نحتكم نحن إلى شهادته، ونود لو أن كل الذين مروا بالداخلية مثله (عامل في الإدارة المركزية بوزارة الداخلية خلال سنوات قاسية وطويلة من 1971 إلى 1997، ثم مدير للأمن الوطني في فترة انتقالية حاسمة من تاريخ المغرب المعاصر من 1997 إلى 2003 ثم مندوب لإدارة السجون من سنة إنشائها 2008 إلى سنة 2013 …).
مذكرات حفيظ بنهاشم لا أنكر أنني، وأنا أتصفح الكتاب وفهرسه، كنت أبحث عما يشدني للقراءة الأولى، كان واضحا أنني سأتجه حيث أرى لي فضولا لم يشف من قبل. وكذلك كان.
استدعاني أولا الفصل الثاني عن العلاقات المغربية الجزائرية، وما عاشه منها بنهاشم شخصيا، من نقل السلاح إلى الثوار بعد استقلال المغرب 1960 بالضبط، وتسليم رفات مجاهد جزائري، والترتيب الإجرائي للقاء الثلاثي الذي دار في الحدود بين الشاذلي والحسن الثاني والملك عبد العزيز السعودي. تفاصيل عملية تفجيرات (أطلس آسني) وتدبيرها الأمني …
في السيرة أيضا وقائع لم أعرف عنها أي شيء من قبل، مثل اتهامه من طرف الجزائر والبوليزاريو بأنه حاول تسميم محمد عبد العزيز المراكشي، زعيم البوليزاريو الراحل وصدور أمر دولي بالقبض عليه!
وقد خصص الكاتب المسؤول الفصل التاسع من مذكراته للحديث عن نظرته إلى الانفصال، ولعل من أهم ما فيها روايته للقاء تم سنة 1982 مع الطلبة المنحدرين من الصحراء.
وإذا كنا نعرف قصة لقاءات هؤلاء الطلبة المؤسسين للجبهة الانفصالية، مع الزعماء الوطنيين وقتها لاسيما علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، وما نجم عنها من قراءات مواقف، فإن القلة القليلة، والعبد الفقير لرحمة ربه وعفوه منهم، يعرفون عن لقاء تم في مكاتب وزارة الداخلية، أيام الجنرال أوفقير. ويحكي بنهاشم أن هؤلاء الطلبة «المتحدرين من طانطان كلميم والسمارة والعيون كانوا يخططون للقيام بأعمال مسلحة داخل التراب المغتصب، وكانوا يجتمعون في بيوت الأعيان الصحراويين أو الزوايا في الرباط»، ويضيف بنهاشم :« بعد محاولاتهم تجاه بعض الأحزاب السياسية الوطنية
بحثا عن دعم معنوي ومادي، دون جدوى، توجه الشبان الصحراويون إلى السلطات العمومية لعرض مشروعهم وطلب الدعم. وهكذا تم استقبالهم في نهاية فبراير1972 من طرف المرحوم إدريس البصري وأنا، باعتبارنا ممثلين عن وزارة الداخلية بهدف استقبالهم والإنصات إليهم وتسجيل رغباتهم». ويقول بنهاشم «اجتمعنا ليلا في بيت إدريس البصري، حول الشاي وطاجين الكفتة والبيض، الذي طبخه عبدالله الخطاط، المنحدر من اولاد سليم .. وكان هذا المسؤول هو الذي قام بدور الوسيط بين الشباب الصحراوي ووزارة الداخلية». بعدها يمكن أن نخمن عن صواب أنهم طلبوا المال والسلاح بهدف القيام بعمليات عسكرية ضد المحتل الإسباني، دون أن «تبدو عليهم أية مواقف انفصالية أو نوايا من هذا النوع».
ويروي الكاتب المسؤول وقتها أن الذين حضروا كانوا الوالي مصطفى السيد، مؤسس البوليساريو، ومحمد الشيخ بيد الله أطال الله عمره، وخللي هنه ماء العينين، وامحمد سالم ولد السالك المعروف باسم فرانكو.
وهذا الأخير كان قد طلب تعيينه في الخارجية، وتولى منصبا في السفارة بباريس، قبل أن ينتقل إلى البوليساريو ليصبح وزيرا بها!
تم صياغة مقابلة هؤلاء الشباب وكتابة تقرير مفصل، لاسيما الحاجة إلى المال والسلاح، ورفع إلى المسؤولين عن الداخلية في شارع المهدي بنبوشتة وقتها، والذي حوَّله إلى«ديوان محمد أوفقير الذي كان وقتها وزيرا للدفاع الوطني».!
ويشدد الكاتب أنه «لم نسمع عن هذا التقرير أبدا من بعد ذلك ولا سمعنا شيئا عما تم القيام به جراءه».
والذي حصل هو ما يعرفه الجميع أن الطلبة الصحراويين توجهوا إلى طنطان بمناسبة موسم محلي، وخرجوا في تظاهرة وطنية يرفعون الأعلام وصور الملك، ولكن «السلطات المحلية القريبة من أوفقير قمعتهم وأساءت معاملتهم. بعض آخر اغتنم تنظيم موسم شمال «المُوغَّار» في تندوف وتوجهوا إليه، وكانت مناسبة الجزائريين اغتنموها بذكاء، وكان اللي كان.
ولعلها المرة الثانية التي أسمع بها عن تقرير حول الموضوع، وارد عن نفس المجموعة، والذي غاب في عهد أوفقير أو بعده، ومن ذلك التقرير الذي قدمه الطلبة أنفسهم، بقلم مصطفى الوالي السيد، للزعيم محمد اليازغي، والذي تم حجزه من بين محجوزات السبعينيات عند اعتقاله، كما هو معلوم. وضاع التقرير الثاني كما ضاع التقرير الأول الذي كان الطلبة المؤسسون للبوليزاريو قد عرضوا فيه رأيهم الوطني الوحدوي على قاعدة العمل المسلح من أجل التحرير…












