كسر الخاطر

صحراء: وقائع لا يمكن أن يغفلها التحليل

لأول مرة يقوم “الأسد الإفريقي”، باعتباره أكبر تمرين عسكري أمريكي في إفريقيا، بشراكة مع المغرب وحضور 40 دولة، بالانتقال إلى مدينة الداخلة… عبر نشاط طبي تنظمه القوات المسلحة الملكية والجيش الأمريكي، في أول مهمة من هذا النوع بالمدينة.
في هذا التمرين المشترك، ووصول السفير الأمريكي إلى الداخلة وتصريحه بالاستثناء الحاصل في هاته الزيارة رسالة للتركيز على البعدين السيادة والاستقرار كما يراهما المغرب: الاستقرار الإقليمي والشراكة بين البلدين من أجل تحقيقه وحمايته، وأيضا التحصين الاقتصادي والعمل والتعبير عن مستقبل مشرق للمغرب من بوابة الصحراء الاقتصادية من جهة ثانية.
بالنسبة للاسد الافريقي فهو لا شك يحيل على دعم
ـ السيادة العسكرية: وهي المرة الأولى في الشراكة التاريخية التي يصل فيها “الأسد الإفريقي” إلى حاضرة صحراوية كبرى، وهي عاصمة للواجهة الأفرو أمريكية.. وبذلك ستكون دينامية الحركة الشاملة على هاته الواجهة.
ولعل في قصة “الأسد الإفريقي” ما يدل على معاني الزيارة الحالية، فهذا التمرين هو ثمرة قرار ثلاثي الأبعاد:
ـ التعليمات الملكية السامية،
شراكة القيادة الأمريكية، لإفريقيا ) AFRICOM(
والاتفاقيات الثنائية، التي تربط البلدين واتخذت قوة اكبر مع توجديد الاتفاقية الشراكة في الاونة الاخيرة مع زيارة محمد بريظ والوزير المنتدب لوديي.
وهو كذلك العنوان والتجسيد الحي لشراكة تقوم على مبدأ دعم السيادة والاستقرار . كذلك الاهتمام المتزايد من قبل القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بالدور المغربي. وعلى هذه القاعدة لا يمكن أن نغفل كيف أن البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة أدانت الهجمات التي استهدفت السمارة (لخامس مرة في ظرف سنة)، بل لعل الهجوم ضمن خارطة التوتر التي يريد اصحابه أن يشمل دولا اخرى منها موريتانيا ومالي وباقي دول الساحل …من خلال السعي الحثيث على دور في مستقبل منطقة تفلت من دعاة الحرب.(اما تعطوني دورا وإماا انشر الخراب)
ونحن أمام شهادة على أعلى مستوى على خطورة الفعل ودلالته في سياق المسلسل الجاري به العمل اليوم.
ـ ومثل هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض التقدم المحرز على طريق السلام”.
ـ“هذه الهجمات تتعارض مع روح المفاوضات الأخيرة”،
ـ رفض الستات كو statu quo :“الوقت قد حان لوضع حد لهذا النزاع الذي طال أمده لنحو خمسين سنة”، مثل هذا الوضع لا يمكن أن يستمر”.
ـ سمو القرار الأممي 2729:
قرار مجلس الأمن رقم 2797 يعتبر مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب أساسا يرسم الطريق نحو السلام في الصحراء”..
ـ دعوة جميع الأطراف «التي لا تزال تعارض مسار التسوية» إلى الانخراط، بصدق ومسؤولية، من أجل بناء مستقبل أفضل للمنطقة”.
في سياق آخر كان علينا أن ننتظر تقرير الأمين العام في أكتوبر القادم لكي نعرف التسجيل الرسمي والموقع من هذا الهجوم. اليوم، هي المرة الأولى التي تقدم فيها واشنطن شهادتها حول العملية وتعطيها المغزى الذي تفهمه منها، وتستخلص منه الدروس، كما ترسل الرسائل حول الرفض المطلق للحفاظ على الوضع القائم والالتزام بالقرار الأممي.
بخصوص بعد السيادة الاقتصادية ، فقد كانت زيارة السفير ذات دلالة كبرى: لوجود برنامج كثيف ولا شك وبأفعال ملموسة ولا تخفى معانيها:
ـ الحديث عن المقر المتفق عليه لبناء القنصلية، عنوانا للتعاون الاقتصادي والعسكري، ولكنه امتداد للاعتراف الأمريكي بالسيادة الترابية على الصحراء، وكذلك تهيئ البنية التحتية للعمل القنصلي.
ـ زيارة الميناء لا معنى لها سوى الوقوف على رمز السيادة الاقتصادية، والتي تعلن أمريكا أنها ستكون جزءا منها، وكما أن جلالة الملك كان قد وضعها في خطاب 31 أكتوبر الشهير على رأس القوة العالمية التي ستكون حاضرة في مجهود تحقيق المضامين الاقتصادية للسيادة …
كما ان الموضوع محور لقاءات مكثفة خلال زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، الذي توقف مطولا عند الاستقرار الاقتصادي الذي تنعم به المملكة، والدور المحوري الذي تلعبه مدينة الداخلة في هذا المسار.
وفي تصريح عقب مباحثاته بالرباط، أكد لاندو أن بلاده ستدعم الشركات الأمريكية التي تعتزم القيام باستثمارات في الصحراء المغربية، وهو الموقف الذي ثمنته الحكومة المغربية، مشيدة بالدعم الذي تقدمه واشنطن للمقاولات الراغبة في الاستثمار بالأقاليم الجنوبية، لا سيما في قطاعات استراتيجية كالطاقات الخضراء، الهيدروجين الأخضر، السياحة، والفلاحة. ولا شك أن الحديث عن الداخلة الاقتصادية هو بالتحديد مقدمة عن الوجود القنصلي الذي، وفقا لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، يعزز السيادة ويسهر على تمتين العلاقات لاسيما التجارية والاقتصادية والثقافية.