إصدار جديد لطارق الشعرة يشخص مكانة الإعلام في البرامج الانتخابية من خلال دراسة مقارنة بين المغرب وإسبانيا وفرنسا

في سياق يتسم بتنامي الأسئلة المرتبطة بأدوار الإعلام في الفضاء العمومي، وتعاظم رهاناته خلال المحطات الانتخابية، يرى إصدار علمي جديد النور يحمل توقيع الإعلامي والفاعل المدني الدكتور طارق الشعرة، موسوما بـ «مكانة الإعلام في البرامج الانتخابية: دراسة مقارنة بين المغرب وإسبانيا وفرنسا»، في عمل يمتد على أكثر من مائتي صفحة، ويقارب موضوعا ظل لسنوات في قلب التوتر بين الفعل السياسي وآليات التأثير الرمزي، وهذا المؤلف لا يكتفي برصد حضور الإعلام داخل الخطابات الانتخابية، بل ينفذ إلى تحليل عميق لمدى استيعاب الفاعلين الحزبيين لوظيفته الاستراتيجية، سواء كوسيلة للتواصل السياسي أو كفاعل مؤثر في توجيه اختيارات الناخبين.
تقاطع رهانات التأثير
ومن خلال استقراء التجارب المقارنة، يضع الكاتب القارئ أمام مفارقات لافتة بين السياقات الثلاثة، كاشفا عن تباينات في تمثل الإعلام بين كونه مجرد أداة دعائية أو شريكا فعليا في بناء النقاش الديمقراطي، فيما يؤسس هذا العمل لمقاربة نقدية تتجاوز الوصف إلى مساءلة الكيفيات التي يسهم بها الإعلام في ترتيب أولويات القضايا المطروحة، وصياغة أجندة النقاش العام، عبر آليات متعددة تمتد من نقل الخبر إلى تأويله، ومن إثارة الجدل إلى التأثير في مواقف الأفراد والجماعات، كما يسلط الضوء على التداخل المعقد بين الإعلام والسياسة، حيث تتقاطع رهانات التأثير مع تحديات المصداقية والاستقلالية.
وبهذا الأفق، ينخرط الكتاب في توسيع دائرة النقاش الأكاديمي حول تحولات العلاقة بين الحقلين السياسي والإعلامي، مستحضرا التحولات الرقمية وتسارع ديناميات الاتصال، بما يفتح مسالك جديدة للتفكير في شروط ترسيخ الممارسة الديمقراطية، ويعيد طرح سؤال موقع الإعلام داخل معادلة التأثير وصناعة القرار في المجتمعات المعاصرة، وفي امتداد لهذا المشروع البحثي، يقدم الكتاب محاولة تحليلية تروم تفكيك تمثلات الإعلام داخل البرامج الانتخابية، عبر مقاربة مقارنة تشمل التجربتين المغربية والإسبانية، مع الانفتاح على نماذج أخرى، بما يسمح برصد أوجه التقاطع والاختلاف في إدراك الأحزاب السياسية لوظائف الإعلام وأدواره.
ويولي كتاب «مكانة الإعلام في البرامج الانتخابية» اهتماما خاصا للأحزاب التقليدية ذات الثقل السياسي، من قبيل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي، باعتبارهما فاعلين مركزيين في توجيه السياسات العمومية وصياغة الخطاب الانتخابي، كما لا يقف العمل عند حدود الوصف، بل يستحضر السياق التاريخي المؤطر للتجربة الديمقراطية في إسبانيا، من خلال العودة إلى محطة سنة 1936 وما أعقبها من انقلاب عسكري قاده الجنرال فرانكو، وصولا إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي التي دشنها دستور 1978، بما يحمله ذلك من تحولات عميقة في بنية الدولة وعلاقتها بالإعلام.
وفي هذا الإطار، يستعرض المؤلف مختلف الأحزاب الإسبانية المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، من حيث نشأتها وتطورها وتوجهاتها الإيديولوجية، مع تتبع حصيلتها الانتخابية على مستوى الاستحقاقات البرلمانية والجهوية خلال السنوات الأخيرة، ومن خلال هذا التفكيك الدقيق، يتيح الكتاب إمكانية استجلاء الكيفية التي تنظر بها الأحزاب السياسية إلى تدبير الإعلام العمومي بوصفه مرفقا يقدم خدمة للمواطن، كما يفتح نقاشا إشكاليا حول مدى تقاطع أو تباين رؤى الأحزاب الجهوية مع نظيراتها المركزية أو الفيدرالية، خاصة في مناطق ذات خصوصيات تاريخية وثقافية مثل كتالونيا وإقليم الباسك، حيث تتخذ مسألة الإعلام أبعادا تتجاوز البعد التواصلي إلى رهانات الهوية والتمثيل.
كما يتوقف المؤلف عند تحولات المشهد الأوروبي، لاسيما في ظل صعود التيارات اليمينية المتطرفة، وما يطرحه ذلك من تحديات على مستقبل الإعلام، خصوصا العمومي والجهوي منه، في سياق تتنامى فيه الدعوات إلى إعادة ضبط مجالات اشتغاله، بل وتقييد بعض أدواره، وهي معطيات تطرح، في العمق، أسئلة جوهرية حول قدرة الإعلام على الحفاظ على استقلاليته ووظيفته الديمقراطية في ظل هذه التحولات المتسارعة، وفي خضم هذه المقاربة، يبرز سؤال: أي حد نجحت الأحزاب السياسية، باعتبارها فاعلا محوريا في الحياة العامة، في إدماج قضايا الإعلام والصحافة والنشر ضمن برامجها الانتخابية.
مقاربات وتجارب وتفاعلات
يفتتح المؤلف عمله بمقدمة يربط فيها بين التحولات المتسارعة التي شهدها مجال الإعلام والاتصال الجماهيري، وبين تنامي حضوره في قلب التفاعلات السياسية والانتخابية، فمع اتساع تأثير وسائل الإعلام وتغلغلها في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد دورها مقتصرا على نقل الخبر أو إنتاج المحتوى، بل أضحى فاعلا مركزيا في تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاش العمومي، الأمر الذي دفع إلى مساءلة موقعه داخل الصراعات السياسية، وخاصة خلال الفترات الانتخابية التي تبلغ فيها المنافسة ذروتها، وتبرز المقدمة أن الإعلام بات يهم الأحزاب السياسية التي أضحت تدرك أن التحكم في أدوات التواصل والتأثير يمثل ركيزة أساسية في كسب الرهانات الانتخابية.
وفي هذا السياق، تؤكد المقدمة أن الممارسة الديمقراطية لا تستقيم دون تلازم عضوي بين التعددية الحزبية وحرية الصحافة، باعتبارهما معا شرطين لقيام نظام سياسي متوازن، حيث تغدو الصحافة بمثابة سلطة رقابية تواكب الفعل السياسي وتحرس المجال العام من الانغلاق، ومن هذا المنطلق، تكتسي دراسة البرامج الانتخابية للأحزاب أهمية خاصة، باعتبارها مرآة تعكس تمثلات هذه القوى لمختلف القضايا، ومنها قضايا الإعلام، كما تكشف عن طبيعة الاختيارات التي تقدمها للناخبين، فهذه البرامج، وإن كانت في ظاهرها أدوات لتجميع مصالح المواطنين وصياغتها في شكل تعهدات سياسية، فإنها في العمق تعبر أيضا عن تمايزات إيديولوجية وخيارات استراتيجية.
غير أن المقدمة لا تغفل الطابع البراغماتي الذي قد يحكم سلوك الأحزاب، إذ تشير إلى أن جزءا منها لا يستهدف بالضرورة استقطاب الأغلبية، بل قد يركز على فئات اجتماعية محددة تعكس امتداداته أو مصالحه، بينما تسعى أحزاب أخرى، خاصة تلك الطامحة إلى تدبير الشأن العام، إلى توسيع قاعدتها الانتخابية ولو عبر تقديم تنازلات أو مراعاة توازنات تفرضها جماعات الضغط، وهو ما يجعل البرامج الانتخابية، في بعض الأحيان، لا تعكس بالضرورة أولويات الناخبين بقدر ما تعبر عن حسابات سياسية معقدة، وفي ضوء ذلك، يكتسب تحليل مضامين هذه البرامج أهمية مضاعفة، لكونه يبرز مواقف الفاعلين السياسيين من قضايا السياسة العامة، وفي مقدمتها الإعلام.
كما يبرز هذا التحليل نقاط الالتقاء والاختلاف بين الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، ويطرح في الآن ذاته أسئلة جوهرية تتعلق بمدى قدرة الأحزاب، بعد وصولها إلى السلطة، على ترجمة وعودها إلى سياسات فعلية، خاصة في ما يرتبط بتدبير الشأن الإعلامي، وتزداد هذه الإشكالات تعقيدا في ظل حكومات الائتلاف، حيث يفرض منطق التوافق إعادة صياغة البرامج بما يضمن انسجامها وقابليتها للتنفيذ، ويعكس البناء العام للمؤلف تصورا منهجيا متدرجا ينطلق من التأصيل النظري لمكانة الإعلام داخل البرامج الانتخابية، قبل أن ينفتح على تحليل المقاربات الوطنية والتجارب المقارنة، وصولا إلى استكشاف تمثلات الأحزاب الجهوية وأدوار الإعلام في سياقاتها الخاصة.
خصوصيات الخطاب الإعلامي
وينتظم الفصل الأول من الكتاب حول تفكيك أهمية الإعلام في البرامج الانتخابية للأحزاب الوطنية، حيث يتناول في مبحثه الأول حضور الإعلام داخل هذه البرامج بين الأدوار المنتظرة وتشخيص الواقع القائم، ويتفرع هذا المحور إلى معالجة دور الإعلام كما تتصوره البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية، مع إبراز تباين الرهانات بين التيارات السياسية، إلى جانب استحضار نماذج مقارنة من قبيل التجربة التونسية والإسبانية، كما يتوقف عند المقاربة النقدية التي تعتمدها الأحزاب في تشخيص أعطاب قطاع الإعلام، سواء على المستوى الوطني أو ضمن تجارب دولية، من خلال تحليل عناصر الاختلال في الممارسة الإعلامية وتباين الرؤى بشأنها.
ويواصل الفصل نفسه استجلاء أهداف ومحاور إصلاح الإعلام كما تطرحها البرامج الانتخابية، من خلال التركيز على الرهانات المرتبطة بتأهيل الإعلام العمومي، واستعراض مرتكزات الإصلاح لدى عدد من الأحزاب المغربية، إلى جانب نماذج مقارنة من إسبانيا وغيرها، كما يسلط الضوء على الاستراتيجيات الممكنة لتطوير القطاع، سواء عبر مراجعة المنظومة القانونية أو دعم الصحافة، مع الانفتاح على تجارب دولية تقدم تصورات مختلفة لإصلاح الإعلام وتعزيز أدواره داخل المجتمع، فيما الفصل الثاني، ينتقل بالتحليل إلى مستوى أكثر تخصصا، من خلال تناول مكانة الإعلام في البرامج الانتخابية للأحزاب الجهوية.
يستعرض ذات الفصل في البداية الإطار القانوني المنظم للعمل الحزبي بالمغرب، والإكراهات التي تحد من نشأة أحزاب جهوية، في ظل مركزية المشهد السياسي، كما يناقش آفاق هذا النمط الحزبي في ضوء التحولات المرتبطة بالجهوية المتقدمة ومقترحات الحكم الذاتي، وفي المقابل، ينفتح هذا الفصل على التجربة الإسبانية باعتبارها نموذجا غنيا في هذا المجال، من خلال تحليل حضور الإعلام في برامج الأحزاب الجهوية، خاصة في كتالونيا، مع التمييز بين الأحزاب ذات الامتداد الفيدرالي ونظيراتها الجهوية، واستجلاء خصوصيات خطابها الإعلامي.
كما يتتبع الفصل ذاته تطور مكانة الإعلام في إقليم الباسك، عبر دراسة نماذج حزبية بارزة مثل الحزب القومي الباسكي وحزب «بيلدو»، من حيث خلفيات نشأتها، وتوجهاتها السياسية، وكيفية إدماجها لقضايا الإعلام ضمن برامجها الانتخابية، سواء في بعدها الآني أو في أفقها الاستراتيجي، ويختتم الكتاب بخلاصات تركيبية على مستوى كل فصل، قبل أن يقدم خاتمة عامة تستجمع أهم النتائج التي توصل إليها البحث، وتفتح آفاقا للتفكير في مستقبل العلاقة بين الإعلام والسياسة، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.












