ثلاثية الطبال، الغياط والنفار في رمضان مع الحسين الطبال
1 – اصح يا نايم .. وحد الدايم
بقدوم شهر رمضان يحل «الطبال» باعتباره ظاهرة من أبرز المظاهر المرتبطة بطقوس هذا الشهر الفضيل. خلال الساعات الأخيرة من الليل، يجوب هذا الرجل الأحياء والحارات لا سيما الشعبية منها، قارعا طبله لإيقاظ الأسر من نومها في وقت مبكر يتيح لهم الاستعداد للسحور وتناول وجبتهم قبل أذان الفجر.
هذه المهنة، أو بالأحرى العادة، تقليد متوارث وطقس أصيل من طقوس رمضان المرتبطة بالذاكرة الجماعية للمجتمعات الاسلامية، لا تزال مستمرة رغم انتشار المنبهات والهواتف النقالة والقنوات التلفزيونية التي تشتغل على مدار الليل والنهار. حضور هذا الرجل واشتغاله الموسمي الليلي يضفي على الأحياء المغربية طابعا روحانيا خاصا وأيضا حميميا، يذكر كل واحد منا بجزء من ماضيه وحياته داخل الحومة قبل أن تنتشر آفة الهاتف الذكي الذي يحد أصلا من ذكاء مستعمله حين يصل درجة الادمان عليه.
يسمى الطبال في الشرق «المسحراتي» لأنه يوقظ النائمين لتناول وجبة السحور. في مصر وبالقاهرة تحديدا، يوجد تقريبا لكل حارة من حاراتها القديمة في جنبات سيدنا الحسين مثلا، خان الخليلي والسيدة زينب والعتبة وما إليها، «مسحراتي» يكاد يعرف مجمل سكانها وحتى ضيوفها، يرتدي عادة جلبابا وطاقية وهو ينقر على طبلة مناديا السكان وأحيانا كل رب عائلة باسمه الشخصي، فيقول:
«اصح يا نايم .. اصح وحد الدايْم .. محمد معجزاته كثير .. الشمس لما تطلع عليه .. اسعد الليالي عليك يا فلان .. اصح يا نايم .. اصح وحد الدايْم».
2 – «واصحاب دينيفري.. واصحاب ازدَو دَوْدَو»
فعلى إيقاع الطبل المغربي يسترجع كل منا صورا ومشاهد من رمضان الماضي وما قبله. كنا صغارا قبل وحتى بعد أن يحق علينا واجب الصيام، بمجرد تناول وجبة الإفطار نهرع إلى أزقة الحومة نلعب لعبا مثل «طابت تحرگت» و»الشّا حْماري». لكن أشهر لعبة ارتبطت بهذا الشهر الفضيل هي «دينيفري»
Un, deux, trois
وهي مباراة تشبه كرة القدم تقتصر على ملعب ذي مرمى واحد يحرسه جميع لاعبي الفريق الأول، بينما يحاول بقية لاعبي الفريق الثاني تسجيل إصابات بأجسادهم، أي بدل أن يرمي لاعب منهم الكرة – التي لا وجود لها في هذه المقابلة – يرمي بجسمه في المرمى محاولا اختراقها. إذا تم التصدي له والقبض عليه يجلس جنب الشباك إلى جانب من أوقفوا قبله، أما إذا اخترق المرمى يصيح بصوت عال «دينيفري» فيحرر رفاقه الموقوفين ليفروا من جديد وهكذا.
هي فعلا لعبة طريفة وحركية تتطلب لياقة بدنية وجهدا كبيرين، كما تتطلب ذكاء إذ كنا نتحايل ونتخفى في كثير من الصفات والشخصيات لنمرق من الشباك. كأن يدخل أحدنا لبيت والديه فيغير ثيابه ليرتدي مثلا جلبابا رجاليا وأحيانا نسائيا يعبر به بهدوء المرمى إلى أن يخترقه، فيرفع اللثام أو يزيل الجلباب وهو ينادي «دينيفري» فيعتق زملاءه ليفروا ضاحكين. بينما يتشاجر الذين سجلت عليهم الإصابة فيما بينهم لتقصيرهم في الحراسة. وطبعا كان لكل فريق مشجعون وأنصار يؤثثون الفضاء بالصياح والصفير والتصفيق. غالبا ما كانت حومة تمارس هذه اللعبة ضد أخرى وبالتناوب كل ليلة في حومة.
أجمل ما يحمله إيقاع الطبل إلى مجرى الصوت حاليا، تجمعنا مباشرة بعد الإفطار والشروع في الجري والصياح لتجميع اللاعبين ونحن ننادي:
«واصحاب دينيفري.. واصحاب ازدَو دَوْدَو»
كنا نفرح حين كان والدينا يمدونا بقطع نقدية أو بشيء من السكر أو الثمر أو حلويات أو أية مواد غذائية أخرى ومأكولات وحتى ملابس، لنمنحها بدورنا للطبال ثم نتبعه وهو يجوب بقية الأزقة من حومة لأخرى، لا سيما في منتصف شهر رمضان، وفي ليلة ويوم 27 منه ويوم العيد، وهي المناسبات الأكثر مردودية بالنسبة للطبال والنفار كما الغياط على حد سواء.
إلى جانب إيقاظ السكان لتناول وجبة السحور طوال شهر رمضان، ينبئ الطبال أيضا بحلول عيد الفطر حين ثبوت رؤية هلال شهر شوال وسط أجواء تسودها الفرحة والتقدير له، فيجزلون له العطاء تعبيرا عن الامتنان لما بذله من جهد طوال شهر رمضان، الشيء الذي يعزز روح هذا الشهر الاستثنائي ويحافظ على هذه العادة المحببة التي تحفظ الذاكرة الجماعية وتعزز الروابط بين السكان.
ما يقال عن الطبال يسري على «الغياط» الذي ينفخ في مزماره الخشبي (الغيطة) ذات 50 سنتيمترا، كما «النفار» صاحب المزمار الطويل الذي يتجاوز طوله المتر إلى متر ونصف وينتهي ببوق واسع. هذان الرجلان يجوبان الشوارع والأزقة لكن نهارا وليس ليلا كالطبال، ليعلنا عن حلول رمضان ثم عن انتصافه وعن العواشر في يوم وليلة القدر، ثم عن نهايته في آخر يوم منه، وكذلك طبعا في يوم العيد السعيد.












