مجتمع

حين تصبح التغطية الصحية هدفا لبعضها : استغلال المرضى باسم الإحسان… الوجه المظلم لبعض القوافل الطبية.

لم تعد القوافل الطبية في نظر عدد من المواطنين مجرد مبادرات تضامنية تستهدف تقريب الخدمات الصحية من الفئات الهشة بالعالم القروي والأحياء الشعبية، بل أصبحت عند البعض تثير كثيرا من الأسئلة والشكوك، خاصة بعد توالي معطيات وشهادات تتحدث عن استغلال هذا العمل الإنساني في ممارسات مشبوهة تتراوح بين الدعاية المجانية، وجمع التبرعات بطرق غير واضحة، واستعمال صور المرضى لأغراض ترويجية، وصولاً إلى شبهات النصب والاحتيال باسم العلاج المجاني والعمل الخيري.

حين تتحول المبادرات الإنسانية إلى واجهة لاستغلال الهشاشة الاجتماعية

في الأصل، جاءت القوافل الطبية لسد جزء من الخصاص المهول الذي تعرفه المنظومة الصحية، خصوصا في المناطق النائية التي تفتقر إلى المستشفيات والتجهيزات والأطر الطبية الكافية. وعلى امتداد سنوات، ساهمت عشرات الجمعيات والأطباء المتطوعين في تنظيم مبادرات إنسانية حقيقية خففت من معاناة آلاف الأسر، ووفرت فحوصات وعلاجات لمرضى لا يملكون حتى ثمن التنقل نحو المدن الكبرى. غير أن هذا العمل النبيل، الذي راكم رصيدا من الثقة والتقدير داخل المجتمع، بدأ يتعرض لتشويه خطير بسبب دخول جهات وأشخاص لا علاقة لهم بالعمل الصحي أو التطوعي، حولوا “القافلة الطبية” إلى واجهة براقة تخفي وراءها أهدافاً أخرى.
في العديد من المناطق، أصبحت أخبار القوافل الطبية تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أسابيع من تنظيمها، مصحوبة بصور أطباء ووعود بإجراء عمليات وفحوصات مجانية وتوزيع أدوية على المحتاجين. لكن عند وصول المواطنين، خاصة كبار السن والنساء والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة، يصطدمون بواقع مختلف تماماً. فبعض القوافل لا تتوفر حتى على الحد الأدنى من التنظيم أو التجهيز، فيما يتحول المواطنون إلى مجرد أرقام في صور جماعية يتم نشرها لاحقاً على الصفحات والمنصات الرقمية لإظهار “نجاح” النشاط واستقطاب مزيد من الدعم أو الشهرة.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن بعض المنظمين يستغلون جهل المواطنين بالإجراءات الطبية والقانونية، فيطلبون منهم الإدلاء بنسخ من بطائقهم الوطنية أو وثائق شخصية بدعوى التسجيل والاستفادة، دون أي توضيح لمآل هذه المعطيات أو الجهة التي ستحتفظ بها. وفي حالات أخرى، يتم إيهام المرضى بإمكانية التكفل بعمليات جراحية أو علاجات متخصصة، قبل مطالبتهم لاحقاً بمبالغ مالية أو “مصاريف ملف” أو مساهمات بدعوى أن الدعم غير كافٍ، لتبدأ رحلة الاستنزاف النفسي والمادي لأسر أنهكها المرض والفقر معاً.
الأخطر من ذلك، أن بعض الأنشطة التي تقدم نفسها كقوافل طبية لا تخضع في الواقع لأي مراقبة فعلية من الجهات المختصة، سواء على مستوى شروط السلامة أو نوعية الأدوية المستعملة أو هوية المشاركين. ففي غياب تتبع صارم، أصبح بالإمكان تنظيم نشاط يحمل صفة “قافلة طبية” فقط عبر لافتة وصفحة فيسبوك وبعض الصور الدعائية، دون التأكد من التراخيص القانونية أو الكفاءة المهنية للمشاركين. وهو ما يفتح الباب أمام الدخلاء والمتاجرين بمعاناة الناس.
مصادر مهتمة بالشأن الصحي تؤكد أن عدداً من القوافل الجادة تشتغل وفق ضوابط دقيقة وتحت إشراف السلطات الصحية، وتحترم أخلاقيات المهنة وكرامة المرضى، غير أن انتشار المبادرات العشوائية بدأ يسيء إلى صورة الجميع. فحين يسمع المواطن عن حالات فوضى أو استغلال أو وعود كاذبة مرتبطة بقافلة طبية، فإنه يفقد تدريجياً ثقته في كل المبادرات، بما فيها الجادة والنزيهة. وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن الضحية لا تكون فقط الأسر الهشة، بل أيضاً العمل التطوعي الحقيقي الذي بناه أطباء ومتطوعون بسنوات من التضحية.
وفي عدد من الحالات، تتحول القوافل الطبية إلى فضاءات للاستعراض أكثر من كونها خدمات صحية. عدسات التصوير تكون حاضرة بقوة، وصفحات التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الأطفال والنساء والمرضى في وضعيات تمس أحياناً بكرامتهم الإنسانية، فقط من أجل تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو تقديم صورة “بطولية” عن المنظمين. بعض المرضى يشتكون من تصويرهم دون إذن واضح، وآخرون يتحدثون عن استعمال صورهم في حملات دعائية أو طلبات دعم وتبرعات لا يعلمون عنها شيئاً.

هل يتم احترام شروط السلامة في القوافل الطبية؟

لا تقف الإشكالات عند حدود الاستغلال الإعلامي، بل تتجاوزها إلى شبهات مرتبطة بالأدوية والتشخيصات الطبية، فغياب المراقبة الدقيقة يثير تساؤلات حول مصدر بعض الأدوية الموزعة، وكيفية حفظها، ومدى احترام شروط السلامة الصحية أثناء الفحوصات. كما أن تقديم استشارات طبية سريعة لعشرات أو مئات الأشخاص في ظروف غير مناسبة قد يؤدي إلى أخطاء في التشخيص أو وصف علاجات غير ملائمة، خصوصاً بالنسبة للأمراض المزمنة أو الحالات المعقدة التي تحتاج إلى تتبع دقيق وتحاليل متخصصة.
ويرى متابعون أن جزء من المسؤولية تتحمله الجهات الوصية التي لا تفرض أحياناً رقابة صارمة على هذا النوع من الأنشطة، سواء قبل الترخيص أو أثناء التنفيذ أو بعد انتهاء القافلة. فالمجال الصحي لا يحتمل العشوائية، وأي تهاون في مراقبة هذه المبادرات قد يفتح الباب أمام ممارسات أخطر تمس بصحة المواطنين ومعطياتهم الشخصية وكرامتهم الإنسانية. كما يطرح متابعون سؤالاً جوهرياً حول دور المندوبيات الصحية والسلطات المحلية في تتبع القوافل التي تنظم داخل نفوذها الترابي، والتأكد من قانونيتها ومن هوية القائمين عليها.
في المقابل، يؤكد فاعلون جمعويون أن محاربة هذه الظواهر لا يجب أن تتحول إلى حرب ضد العمل التطوعي أو التشكيك في كل المبادرات الإنسانية، لأن هناك جمعيات وأطباء يشتغلون بإمكانيات محدودة وبروح تضامنية حقيقية داخل مناطق مهمشة تعاني خصاصاً مهولاً في الخدمات الصحية. هؤلاء يعتبرون أن المطلوب هو تنظيم المجال لا خنقه، ووضع دفتر تحملات واضح يحدد شروط تنظيم القوافل الطبية، وطبيعة الخدمات المقدمة، وكيفية حماية المعطيات الشخصية للمرضى، ومنع استغلال صورهم أو أوضاعهم الاجتماعية لأغراض دعائية أو سياسية.
ويشدد مهتمون على أن الهشاشة الاجتماعية أصبحت اليوم أرضاً خصبة لكل أشكال الاستغلال، ليس فقط في المجال الصحي، بل أيضاً في العمل الخيري والإحساني بشكل عام. فحين يعجز المواطن عن الولوج إلى العلاج داخل المؤسسات الرسمية، يصبح مستعداً للتشبث بأي أمل، حتى وإن كان مجرد وعود غير مضمونة. هذا الواقع يمنح بعض الانتهازيين فرصة للظهور في صورة “المنقذ”، بينما هم في الحقيقة يستثمرون في الألم الإنساني لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية أو مالية.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في تضخم الظاهرة، حيث أصبح من السهل صناعة صورة مثالية عن أي نشاط عبر صور وفيديوهات منتقاة بعناية، بعيداً عن حقيقة ما يجري على الأرض. فبعض الصفحات تروج لأرقام ضخمة حول عدد المستفيدين أو العمليات أو المساعدات المقدمة دون أي تقارير موثقة أو معطيات دقيقة، فيما تتحول التعليقات والإعجابات إلى وسيلة لمنح “الشرعية الشعبية” لأنشطة قد تكون في الواقع مليئة بالخروقات.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار الفوضى داخل هذا المجال قد يؤدي إلى كوارث حقيقية، سواء على مستوى صحة المواطنين أو على مستوى الثقة المجتمعية في المبادرات التضامنية. فالقوافل الطبية ليست مناسبة احتفالية أو حملة إشهارية، بل نشاط حساس يرتبط بشكل مباشر بحياة الناس وحقهم في العلاج والكرامة والخصوصية. ولذلك فإن أي استغلال لهذا المجال يجب أن يواجه بحزم، سواء تعلق الأمر بالنصب المالي أو بانتحال الصفات أو باستغلال المرضى في الدعاية أو بجمع التبرعات دون شفافية.
ويجمع متتبعون على أن الحل لا يكمن فقط في العقوبات، بل أيضاً في إصلاح أعمق للقطاع الصحي وتقوية الخدمات العمومية، لأن المواطن حين يجد العلاج داخل مستشفى يحترم كرامته لن يكون مضطراً للبحث عن قوافل موسمية قد تحمل معها الخير أحياناً، لكنها قد تخفي أيضاً كثيراً من الغموض والاستغلال. كما أن تعزيز ثقافة المراقبة والمحاسبة، وتشجيع المواطنين على التبليغ عن أي تجاوزات، يبقى خطوة أساسية لحماية العمل الإنساني من المتطفلين والانتهازيين.

مبادرات برائحة «السمسرة» لفائدة جهات علاجية خاصة

لم تعد القوافل الطبية بالنسبة إلى كثير من المواطنين مجرد مبادرات إنسانية تروم تقريب الخدمات الصحية من الفئات الهشة والمعزولة، بل أضحت في بعض الحالات تثير مخاوف وتساؤلات حقيقية حول ما يجري خلف الشعارات البراقة والصور الدعائية التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي. فبين العمل التطوعي النبيل الذي يقدمه أطباء ومتطوعون بصدق وتفانٍ، وبين ممارسات دخيلة تستثمر في المرض والهشاشة الاجتماعية، أصبح المجال مفتوحاً أمام أشكال مختلفة من الاستغلال قد تصل أحياناً إلى حدود النصب والسمسرة الصحية المقنعة بغطاء الإحسان.
ويحمّل متابعون جزءاً من المسؤولية للجهات الوصية التي لا تفرض رقابة صارمة على تنظيم هذه الأنشطة، سواء من حيث التراخيص أو من حيث تتبع طبيعة الخدمات والعلاقات التي قد تربط بعض القائمين عليها بمصحات أو جهات علاجية خاصة. فالمجال الصحي لا يحتمل العشوائية، وأي فراغ في المراقبة يفتح الباب أمام استغلال معاناة المواطنين وتحويل الحق في العلاج إلى سوق غير معلنة للمصالح والعمولات.
كما يطرح متتبعون سؤالاً جوهرياً حول غياب إطار قانوني واضح ينظم بشكل دقيق عمل القوافل الطبية، ويحمي المواطنين من أي استغلال محتمل. فالحاجة اليوم لم تعد فقط إلى تشجيع المبادرات الإنسانية، بل أيضاً إلى فرض الشفافية الكاملة بشأن مصادر التمويل، وهوية الأطباء المشاركين، وطبيعة الخدمات المقدمة، ومنع أي استغلال تجاري أو سياسي أو انتخابي لمعاناة المرضى.
ويؤكد حقوقيون أن الهشاشة الاجتماعية أصبحت أرضاً خصبة لكل أشكال الاستثمار غير الأخلاقي، لأن المواطن الذي يعاني المرض والفقر معاً يكون مستعداً للتشبث بأي أمل في العلاج، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامته أو استقراره المالي أو صحته النفسية. وهو ما يمنح بعض الجهات فرصة لتقديم نفسها في صورة “المنقذ”، بينما تمارس في الواقع أشكالاً ملتوية من الاستفادة المادية أو توجيه المرضى نحو مسارات علاجية تخدم مصالح محددة.

مراقبة المندوبيات والمديريات الجهوية للصحة أصبح ضرورة ملحة

وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الدعوات إلى فتح تحقيقات جدية في كل الشبهات المرتبطة باستغلال القوافل الطبية، خاصة ما يتعلق بعمليات توجيه المرضى نحو مصحات خاصة وإخضاعهم لتدخلات مكلفة قد لا تكون ضرورية. كما يطالب متابعون بضرورة تعزيز مراقبة المندوبيات الصحية والسلطات المختصة لكل الأنشطة الطبية المتنقلة، حماية لكرامة المواطنين وصوناً لثقتهم في العمل الإنساني الحقيقي.
فالقوافل الطبية، حين تُؤطر بالنزاهة والشفافية، يمكن أن تكون جسراً للتضامن والأمل، لكنها حين تتحول إلى وسيلة للسمسرة أو الاستثمار في الألم الإنساني، فإنها تفقد معناها الأخلاقي وتتحول إلى جرح جديد يضاف إلى معاناة المرضى. وبين المبادرات الصادقة والممارسات المشبوهة، يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، يطارد العلاج في زمن أصبحت فيه حتى المعاناة قابلة للاستثمار والربح.