مجتمع

من قلب «الفرصة الثانية».. حيث يستعيد المشردون أسماءهم وذاكرتهم وحقهم في الحياة

في زاوية هادئة بعيدا عن ضجيج الشارع، يقف مركز “الفرصة الثانية عثمان بن عفان للتكفل بالأشخاص بدون مأوى” كواحد من الفضاءات التي تحاول إعادة شيء من الكرامة الإنسانية لمن لفظتهم الأرصفة وأرهقتهم الأمراض والتشرد. هنا، لا يُنظر إلى النزيل باعتباره رقما أو حالة اجتماعية عابرة، بل كإنسان يحمل قصة ثقيلة من الفقد والتيه والألم.
المركز الذي جاء إلى الوجود خلال فترة جائحة كورونا، كان في الأصل مؤسسة تعليمية شُيّدت في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تتم إعادة تهيئتها وتحويلها إلى فضاء للإيواء والرعاية. وفي زمن الحجر الصحي، حين أصبحت الشوارع أكثر قسوة على الأشخاص دون مأوى، برزت الحاجة إلى مكان يحتضن هذه الفئة ويوفر لها الحد الأدنى من الحماية الصحية والاجتماعية.
اليوم، يستقبل المركز 167 مستفيدا ضمن طاقة استيعابية تصل إلى 170 نزيلا، أغلبهم يعانون من أمراض عضوية ونفسية وعقلية، بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة، وفق ما أكده رئيس المركز السيد عبد الكبير العسي.
ويستفيد المقيمون من خدمات متعددة تشمل المبيت، والتغذية، والاستحمام، والملابس، والتطبيب، إضافة إلى المواكبة النفسية والاجتماعية، في محاولة لإعادة إدماجهم داخل المجتمع أو إعادتهم إلى أسرهم.
بحث عن العائلة قبل البحث عن المأوى

داخل هذا المركز، تبدأ رحلة كل نزيل بعملية بحث دقيقة عن هويته وماضيه. إذ تقوم الإدارة، منذ اللحظة الأولى، بمحاولة معرفة المنطقة التي أتى منها الشخص، وما إذا كانت له أسرة أو مشاكل صحية أو نفسية سابقة. وفي كثير من الحالات، تتحول هذه العملية إلى رحلة إنسانية مؤثرة. فهناك نزلاء تعتبرهم عائلاتهم في عداد الموتى، قبل أن يستعيدوا ذاكرتهم بعد مواكبة صحية ونفسية طويلة بتنسيق مع مركز الأمراض النفسية بمستشفى محمد الخامس.
ويروي المشرفون بالمركز حالة شخص كان يعاني اضطرابات عقلية حادة، تمت مواكبته صحيا وإحالته على طبيبة نفسية، قبل أن يستعيد ذاكرته تدريجيا. وبعد البحث، تبيّن أن له عائلة بمدينة مكناس، وأنه كان يشتغل سابقا في السلك العسكري، ليعود أخيرا إلى أسرته بعد سنوات من التشرد والضياع.
من الإدمان إلى العمرة

ولا تتوقف قصص المركز عند حدود العلاج والإيواء فقط، بل تمتد أحيانا إلى تغيير جذري في حياة بعض المستفيدين. من بين هذه الحالات، قصة نزيل كان يعيش وضعية إدمان وتشرد، قبل أن يجد داخل المركز فضاء للمواكبة والاستقرار النفسي، لينتهي به المسار إلى زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، في تجربة يعتبرها المشرفون نموذجا للتحول الذي يمكن أن تصنعه الرعاية الإنسانية حين تقترن بالمتابعة الجدية.
مرافق تحاكي مدينة صغيرة

يضم المركز عدة مرافق أساسية، من بينها الإدارة، ومراقد النوم، وقاعة الأكل، والمطبخ، والمسجد، وقاعة غسل الملابس، ومكان الاستحمام، والمرافق الصحية، إضافة إلى ملعب يستفيد منه النزلاء.
وتشرف على تسيير هذا الفضاء إدارة مكونة من المدير والحارس العام وعمال المطبخ، فيما يتم توفير الدعم المالي السنوي من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى جانب شراكات مع مؤسسة التعاون الوطني ومحسنين.
كما يرتبط المركز بشراكة مع مندوبية الصحة لتتبع الحالات المرضية، خاصة أن عددا كبيرا من النزلاء يحتاجون إلى مراقبة صحية مستمرة. وخلال إحدى الحملات التي نظمها الهلال الأحمر، خضع عدد من المقيمين لفحوصات مرتبطة بداء السكري والطب العام وتصحيح النظر.
ولمواجهة الحالات الصحية الخطيرة، يتوفر المركز أيضا على قاعة للعزل تُستخدم في حال اكتشاف أمراض معدية مثل داء السل، إلى حين إحالة الحالة على الجهات الصحية المختصة.
انتقاء الحالات وحماية المقيمين

وبحسب إدارة المركز، فإن استقبال الأشخاص يتم عبر وحدات للتطهير تضم شرطيا وعون سلطة وعنصرا من القوات المساعدة، إضافة إلى سيارة توفرها العمالة بتنسيق مع رؤساء الملحقات الإدارية.
أما بالنسبة للحالات النفسية والعقلية، فيتم استقبال الحالات الأقل خطورة داخل المركز، فيما تُحال الحالات التي قد تشكل خطرا على باقي النزلاء إلى مستشفى الأمراض النفسية.
ويضم المركز مختلف الفئات الاجتماعية، من مسنين وأشخاص في وضعية إعاقة ومختلين عقليا وسجناء سابقين، مع التركيز على إعادة الإدماج الأسري أو الاقتصادي متى توفرت الظروف المناسبة.
ومن بين القصص التي تختصر قسوة الشارع وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية، حالة محمد الذي قضى سنوات داخل السجن، قبل أن يغادره في إطار عفو ملكي، ليجد نفسه مباشرة في مواجهة التشرد والوحدة. فبعد خروجه، لم يكن يملك مأوى يؤويه ولا أسرة تستقبله، لينتهي به المطاف بين أرصفة الدار البيضاء، يصارع الجوع والبرد ونظرات المارة.
وبحسب السيد عبد الكبير العسي، فقد وصل الرجل في وضعية نفسية واجتماعية صعبة، بعدما وجد نفسه عاجزا عن الاندماج مجددا داخل المجتمع عقب سنوات السجن. غير أن مواكبته داخل مركز “الفرصة الثانية عثمان بن عفان” مكنته تدريجيا من استعادة توازنه النفسي، والاستفادة من الإيواء والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي، في محاولة لفتح صفحة جديدة بعيدا عن الشارع والتشرد.
ولا يقتصر دور المركز على توفير الإيواء والرعاية فقط، بل يمتد إلى إشراك بعض النزلاء في أنشطة يومية مرتبطة بخدمة الفضاء، في إطار محاولة إعادة إدماجهم تدريجيا في الحياة العملية وتحميلهم نوعا من المسؤولية. فبعض المستفيدين يشاركون في أعمال النظافة، فيما يساهم آخرون في الغرس والعناية بمحيط المركز، وهي مهام يعتبرها المشرفون خطوة أولى.
تجربة نموذجية تسعى للتوسع

المركز، الذي أُحدث في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أصبح، بحسب القائمين عليه، من بين المراكز النموذجية التي لقيت استحسان السلطات المحلية، خاصة بعد زيارة السيد الوالي الذي أعجب بطريقة اشتغال المؤسسة وأبدى رغبته في تعميم التجربة على مدن أخرى.
وفي ظل تزايد أعداد الأشخاص دون مأوى، تبدو مثل هذه المراكز أكثر من مجرد فضاءات للإيواء؛ إنها محاولات لترميم ما كسرته الشوارع داخل الإنسان، وإعطائه “فرصة ثانية” للعودة إلى الحياة.


(*) صحفية متدربة